
ليست عودة المواطن إلى دياره مجرد قرارٍ فردي يتخذه المرء حين تضيق به سُبل الحياة في منافيه إنما هي في جوهرها ثمرة طبيعية لاستعادة مقومات الحياة نفسها داخل الوطن .. فالمواطن لا يحتاج إلى سقفٍ يأويه فحسب .. بل إلى وطنٍ آمن توجد فيه المشافي والمدارس وفرص العمل ومايتبع ذلك من الخدمات الأساسية إضافة لشعورٍ صادق بأن الغد يحمل لأسرته قدرًا من الاستقرار والأمل .
وهنا يفرض المنطق مقاربته .. هل يعود المواطن أولاً .. أم تعود المقومات التي تجعل عودته آمنة ومستدامة..؟
في التقدير الفكري السليم فإن عودة المواطن ينبغي أن تسبقها أو تتزامن معها عودة (رجال المال والأعمال وأصحاب المصانع والشركات) فرأس المال هو المحرك الأساسي لدورة الإنتاج والبداية الحقيقية لاستعادة الحياة الطبيعية .
إن النزاعات لا تترك خلفها المباني الخاوية فقط .. بل تخلف اقتصادًا منهكًا ومصانع متوقفة ومستشفيات تعاني نقص الكوادر والمعدات وسوق عمل فقد قدرته على الاستيعاب .. وفي ظل هذه المعطيات فإن عودة المواطن إلى بيئة تعاني نقص الخدمة وانقطاع التغذية الكهربائية والمائية قد تحوّل العودة من مخرجٍ للأزمة إلى انتقالٍ لنوعٍ آخر من المعاناة مما يبقي أسباب النزوح قائمة والأبواب مواربة ..
من هذا المنطلق لا تُعد عودة أصحاب المبادرات الاقتصادية ترفاً بل هي مسؤولية وطنية تفرضها المرحلة الراهنة .
إن فتح مصنع واحد يعني استعادة عشرات الأسر لمصدر رزقها الكريم وتنشيط دورة تجارية كاملة وإيجاد فرص عمل للشباب وتوفير إيرادات تسهم في دعم الخزانة العامة. لكن هذه المسؤولية تتطلب في المقابل بيئة استثمارية مشجعة .. فالدولة مطالبة بتوفير الحماية للممتلكات وتبسيط الإجراءات الإدارية.. ومراجعة المنظومة الضريبية والجمركية مع تقديم الضمانات القانونية التي تطمئن المستثمر على مشروعه .
إن المعادلة المتكاملة لإعادة البناء ترتكز على أركان متوازية
(المؤسسات الأمنية والدولة) .. بسط سيادة القانون وتوفير الأمان وتأهيل المرافق الخدمية من مياه وكهرباء وتعليم وصحة.
قطاع المال والأعمال عليه ضخ الاستثمارات وإعادة تشغيل خطوط الإنتاج للمساهمة في خلق فرص العمل .
(المواطن ) العودة الاستقرارية المشاركة في البناء بعد تهيئة الظروف الكفيلة بحفظ كرامته .
إن القضية الحقيقية ليست مجرد عودة أفراد إلى جغرافيا الوطن بل هي عودة الوطن نفسه إلى الحياة .. ومتى ما استعادت المصانع نشاطها والأسواق حركتها والمؤسسات الخدمية عافيتها تحت مظلة سيادة القانون ستكون عودة المواطن خطوة طبيعية ومستدامة تُغلق بها أبواب النزوح واللجوء بصورة نهائية .
إنها مسؤولية تضامنية تتكامل فيها جهود الدولة مع مبادرات القطاع الخاص وعزيمة المواطنين لتظل العودة عنوانًا للكرامة والاستقرار .





