مقالات

الدولة التي لا تنتظر الملائكة… فصل الصلاحيات فلا تجتمع السلطة في يد واحدة (2 من 4)

بهدوء وتدبر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

انتهينا في المقال السابق إلى أن النزاهة الفردية، على أهميتها، لا تكفي لضمان سلامة المؤسسات، وأن الدولة الراسخة تحتاج إلى نظام يجعل الاستقامة أيسر والانحراف أصعب. ومن أهم أسس هذا النظام فصل الصلاحيات، بحيث لا ينفرد شخص باتخاذ القرار وتنفيذه ومراجعة سلامته، بل تتوزع هذه المهام وفق ضوابط واضحة.

وفصل الصلاحيات لا يعني تكثير المسؤولين والتوقيعات، وإنما توزيع الاختصاصات بما يمنع جمع الوظائف المتعارضة في يد واحدة، ويحد من استغلال السلطة لتحقيق مصالح خاصة، مع وضوح المسؤوليات وتكامل الأدوار وسرعة الإنجاز.
ففي المشتريات والإنفاق الحكومي، مثلًا، ينبغي الفصل بين تحديد الاحتياجات، واختيار الموردين، واعتماد التعاقد، واستلام المشتريات، وإجازة المدفوعات ومراجعتها. وكذلك في التعيينات والتراخيص وسائر الخدمات، يجب أن تستند القرارات إلى معايير معلنة وإجراءات موثقة، تحد من المحاباة والتدخلات الشخصية.

مقالات ذات صلة

وقد أتاحت النظم الحديثة تحويل هذه المبادئ إلى إجراءات إلكترونية ملزمة؛ فتُحدد صلاحيات كل موظف مسبقًا، وتنتقل المعاملة تلقائيًا بين المختصين، ولا يُعتمد قرار أو يُنفذ صرف إلا بعد استيفاء شروطه وموافقاته، مع تسجيل كل خطوة ومن اتخذها ومتى. وبذلك يصبح فصل الصلاحيات جزءًا من طريقة عمل المؤسسة، لا مجرد تعليمات مكتوبة.

ولتنفيذ ذلك وفق أحدث المعايير العالمية، يمكن الاستعانة بخبرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والأكاديمية الإستونية للحوكمة الإلكترونية، والاسترشاد بمعايير المنظمة الدولية للتوحيد القياسي، لإعادة تصميم الإجراءات وتحديد الصلاحيات والضوابط، ثم اختيار الشركات التقنية المؤهلة عبر منافسة شفافة لتنفيذ الأنظمة، مع ضمان التقييم المستقل ونقل المعرفة إلى الكوادر الوطنية، وملكية الدولة لبياناتها واستقلالها في إدارة أنظمتها وتطويرها. فالمطلوب ليس مجرد شراء برامج إلكترونية، وإنما بناء نظام مؤسسي سليم تُترجم قواعده إلى إجراءات عملية ملزمة.

غير أن تعدد الجهات أو استخدام التقنية لا يضمن سلامة العمل وحده؛ فقد تتواطأ الأطراف المختلفة أو تُصمم الأنظمة بصورة تسمح بالتحايل. ولذلك ينبغي أن تمنع شروط التوظيف والقوانين حالات تعارض المصالح المستمر، وأن تُلزم الموظف بالإفصاح عن أي مصلحة شخصية أو عائلية أو مالية قد تنشأ له في معاملة تدخل ضمن اختصاصه، مع منعه من المشاركة في القرار المتعلق بها، وإسناده إلى موظف آخر لا تتعارض مصالحه معه، فضلًا عن المراجعة المستقلة والمساءلة الفعلية، وتطبيق ضوابط تتناسب مع حجم المخاطر دون تعطيل المعاملات البسيطة.

إن المؤسسة الرشيدة ليست تلك التي تتجمع فيها السلطات عند القمة، ولا التي تتشتت فيها المسؤوليات حتى تضيع المحاسبة، وإنما التي تجمع بين وضوح الاختصاصات وكفاءة الأداء وحماية الحقوق والمال العام. فالقوة المؤسسية لا تقاس باتساع سلطة المسؤول، بل بقدرة النظام على تحقيق أهدافه دون تعقيد أو هدر.
وفي المقال القادم إن شاء الله: «رقابة تمنع الفساد لا توثقه بعد وقوعه»، ننتقل من تنظيم الصلاحيات إلى الرقابة على ممارستها، وكيفية الحد من المخالفات واكتشافها مبكرًا بدلًا من الاكتفاء بتوثيقها بعد وقوعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى