جمال الكناني يكتب : العندليب الأسمر.. زيدان إبراهيم بين الإنسانية والخلود

ليس غريباً أن تمتلئ قاعة مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام بالحضور مساء السبت 17 أكتوبر 2026، وليس غريباً أن يأتي الصحفيون والإعلاميون والمثقفون من الخرطوم وبحري وأطراف أم درمان راجلين، لأن الاسم المرفوع على اللافتة كما في الصورة ليس مجرد فنان، بل هو *الأستاذ زيدان إبراهيم – العندليب الأسمر.
جاءت الأمسية ضمن سلسلة حلقات (منتدى الرواد) التي ينظمها مركز الفضاء العالمي واتحاد المهن الموسيقية، تكريماً للتجربة الفنية للراحل المقيم، ولكنها في حقيقتها كانت درساً في الوفاء.
من عرف زيدان عن قرب، يعرف أن إنسانيته سبقت فنه. ابن عطبرة الذي جاء إلى الخرطوم حاملاً عوده وصوته الخجول، ظل محتفظاً ببساطة أهل الحديد والنار، بكرمهم وتواضعهم.
لم يكن زيدان يغني ليطرب فقط، كان يغني ليواسي. زار المرضى، وغنى للجرحى، ووقف مع زملائه في أحلك الظروف. كثيرون يذكرون كيف كان يفتح بيته المتواضع بأم درمان لكل موهبة شابة، يعلمها كيف تمسك بالعود، وكيف تحترم الكلمة قبل اللحن. عاش فقيراً بماله، غنياً بمحبته، ورحل في 24 سبتمبر 2011 بالقاهرة بعد معاناة مع المرض، تاركاً إرثاً من الحب لا يقدر بثمن، كما تابعنا تلك الأيام التي كان فيها الملايين يرفعون أكفهم له بالشفاء. هذا هو سر بقائه، أن الناس أحبوا الإنسان قبل الصوت.
صوت زيدان لم يكن صوتاً عادياً. هو مساحة من الحزن النبيل والفرح الخجول. صوت رخيم، دافئ، يمتلك بحّة عطبراوية أصيلة تجعلك تميز أغنيته من أول نغمة.
عندما يغني “في الليلة ديك” أو “قصر الشوق” أو “يا غالية” أو “لو تعرف اللهفة”، فهو لا يؤدي الأغنية، هو يعيشها. كان يغني العاطفة بصدق لدرجة أن المستمع يشعر أن الأغنية كُتبت له وحده. لذلك لم يكن مستغرباً أن يزاحم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عمالقة مثل وردي وعثمان حسين وأحمد المصطفى وكابلي، وهو الشاب اليافع، ويثبت أقدامه كأحد أركان الأغنية السودانية الحديثة.
الخطأ الكبير أن نحصر زيدان في خانة المطرب فقط. زيدان كان ملحناً عبقرياً ومجدداً.
هو من أدخل الجملة اللحنية المركبة والانتقالات المقامية الجريئة في وقت كانت فيه الأغنية السودانية تميل للبساطة. تعاون مع عمالقة التلحين مثل بشير عباس وعمر الشاعر، لكنه صاغ لنفسه مدرسة خاصة، مدرسة العندليب. ألحانه تمتاز بالحنية المفرطة، بالمقدمات الموسيقية الطويلة التي تهيئك للدخول إلى عالم من الشجن، ثم يفاجئك بقفلات عالية تلامس الروح. كل أغنياته تقريباً من ألحانه، وهذا ما أعطى تجربته هذا التماسك والصدق.
كان زيدان قارئاً نهماً للشعر، وذواقة من الطراز الأول. لم يكن يلتقط أي نص. كان يبحث عن القصيدة التي تشبهه.
لذلك كانت رحلته مع كبار الشعراء: إسماعيل حسن، عبد الوهاب هلاوي الذي كتب له “مين علمك يا فراش تعبد عيون القاش” و “عشان خاطر عيون حلوين” عبر البريد من كسلا، التيجاني حاج موسى، وغيرهم. كان يتعامل مع القصيدة كطفل يتعامل مع جوهرة، يصقلها، يبكي معها، ويسهر عليها الليالي حتى تخرج للناس كما نعرفها اليوم.
هذه الشراكة الثلاثية – الشعر الرصين، واللحن العبقري، والصوت الحزين – هي التي صنعت أسطورة العندليب الأسمر.
ما فعله مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام بقيادة الأساتذة مختار دفع الله وعادل سنادة ، ليس مجرد احتفال. هو فعل مقاومة ثقافية في وجه خراب الحرب. هو تأكيد أن الخرطوم، رغم كل ما فعلته المليشيا، لا تزال تنجب وتتذكر وتكرم روادها.
زيدان إبراهيم لم يمت. هو ضد النسيان. باقٍ ما بقي قصر الشوق، وما بقي الفراش يحوم حول القاش، وما بقيت أم درمان تتنفس فناً.
رحم الله العندليب الأسمر، وشكراً لمركز الفضاء العالمي الذي أعادنا لزمن المحبة الصافية.





