مقالات

العالم بين الحاضر والمستقبل… كيف وصلنا إلى هذه اللحظة؟ (2 من 31)

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

قلنا في المقال السابق إن ما نشهده ليس مجرد أزمات متفرقة، وإنما مرحلة تتغير فيها موازين القوة والثروة والنفوذ. ولفهمها لا بد أن نسأل: كيف تشكل العالم الذي نراه اليوم؟
كانت الحرب العالمية الثانية نقطة التحول الكبرى. خرجت أوروبا منهكة وتراجعت إمبراطورياتها، بينما برزت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي قوتين عظميين.
وفي 1945 أُنشئت الأمم المتحدة، ومُنحت خمس دول العضوية الدائمة وحق النقض في مجلس الأمن: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، الذي واصلت روسيا عضويته لاحقًا، والصين وبريطانيا وفرنسا. وهكذا حمل النظام الجديد صورة ميزان القوى الخارج من الحرب.
وفي الاقتصاد، انبثق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عن مؤتمر بريتون وودز عام 1944، ثم وُقعت الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة «الجات» عام 1947 ودخلت حيز التطبيق في 1948، قبل إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995.
لكن انتهاء الحرب لم يأت بسلام شامل؛ فقد انقسم العالم إلى معسكر غربي تقوده الولايات المتحدة وشرقي يقوده الاتحاد السوفيتي. وأُسس حلف شمال الأطلسي «الناتو» عام 1949، ثم حلف وارسو عام 1955، وبدأت الحرب الباردة.
وكانت باردة بين القوتين أكثر مما كانت باردة في بقية العالم؛ إذ أسهم الردع النووي في تجنب حرب مباشرة شاملة بينهما، بينما امتد التنافس إلى حروب بالوكالة وسباق التسلح والفضاء والتكنولوجيا والاستخبارات والنفوذ، وأصبحت مناطق في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ساحات لهذا الصراع، بالتزامن مع موجات التحرر الوطني ونهاية جانب كبير من الاستعمار الأوروبي المباشر.
وهكذا عاش العالم عقودًا في ظل قطبين كبيرين.
ثم سقط جدار برلين عام 1989، وحُل حلف وارسو، وتفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، فاختفى أحد القطبين، وبقيت الولايات المتحدة بلا منافس يضاهي مجموع قدراتها الاقتصادية والعسكرية والمالية والتكنولوجية وانتشارها العالمي، فيما وُصف بـلحظة القطب الواحد.
واتسعت العولمة، وتدفقت التجارة ورؤوس الأموال، وانتقلت المصانع وسلاسل الإنتاج عبر الحدود، وتقدمت ثورة الاتصالات والإنترنت، وبدا أن الترابط الاقتصادي قد يقلل احتمالات الصراع بين القوى الكبرى.
لكن داخل هذا النجاح كانت تنمو بذور عالم آخر.
فالصين، التي بدأت إصلاحاتها الاقتصادية قبل نهاية الحرب الباردة، استفادت من التجارة والاستثمار والتصنيع، ثم انضمت إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، وتحولت إلى قوة صناعية وتجارية وتكنولوجية كبرى. وهنا ظهرت مفارقة مهمة: النظام الاقتصادي الذي توسع في ظل التفوق الغربي أسهم أيضًا في صعود قوى أصبحت تنافس الغرب نفسه.
وفي الوقت ذاته استعادت روسيا جانبًا من قدرتها على التأثير، وصعدت الهند، وازدادت أهمية الخليج وقوى إقليمية ومتوسطة أخرى تسعى إلى التعامل مع مختلف القوى وفق مصالحها.
ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر، والأزمة المالية العالمية عام 2008، والتوتر الأمريكي الصيني، وجائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وصراعات الشرق الأوسط، لتؤكد أن العولمة لم تلغ الجغرافيا ولا السياسة.
وعاد سؤال الأمن القومي بقوة: ماذا يحدث إذا أصبحت الدولة معتمدة على منافسها أو خصمها في الغذاء أو الطاقة أو الدواء أو الرقائق أو المعادن أو طرق التجارة؟
وهكذا أصبح الاقتصاد نفسه جزءًا من الصراع؛ فعادت الدول تبحث عن أمن الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد والتقنيات والمعادن الضرورية، واستخدمت الرسوم والعقوبات والقيود على الاستثمار والتكنولوجيا والتصدير. ودخل المال كذلك إلى ساحة المنافسة عبر العملات وأنظمة المدفوعات والاحتياطيات والعقوبات المالية.
ومن هنا نفهم مفارقة عالم اليوم: إنه أكثر ترابطًا وأكثر تنافسًا في الوقت نفسه.
فالولايات المتحدة والصين تتنافسان وهما مرتبطتان اقتصاديًا، وأوروبا وروسيا تختلفان ولا تستطيعان تغيير الجغرافيا، ودول الخليج توسع علاقاتها شرقًا وغربًا، وكثير من دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لا تريد العودة إلى الاصطفاف الصارم خلف معسكر واحد.
وهكذا مر العالم منذ الحرب العالمية الثانية بثلاث مراحل كبرى: قطبان بعد 1945، وتفوق أمريكي واسع بعد 1991، ثم واقع أكثر تعقيدًا اليوم تتوزع فيه عناصر القوة بين أطراف متعددة.
فالولايات المتحدة ما تزال قوة عالمية هائلة، والصين منافس رئيسي، وروسيا تحتفظ بقوة عسكرية واستراتيجية كبيرة، والهند تصعد، وأوروبا تسعى إلى تعزيز قدرتها، وقوى أخرى توسع مساحة حركتها.
ولذلك قد لا يكون العالم مقبلًا على مجرد انتقال من قطب إلى آخر، بل على نظام تتوزع فيه عناصر القوة نفسها.
وهنا نصل إلى سؤال المقال القادم:
من يضع قواعد هذا العالم؟ وهل يستطيع طرف واحد أصلًا أن يقوده؟
ذلك موضوع المقال الثالث:
العالم بين الحاضر والمستقبل… من يحكم عالمًا لا يستطيع أحد حكمه منفردًا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى