
حين تصمت المدافع لا ينتهي الامتحان بل يبدأ اختبار أشد قسوة وهو كيف تنهض المدن من تحت الركام وكيف يتحول الألم إلى إرادة عمل
وفي بارا جاءت الإجابة من الميدان لا من المنابر
شباب بارا لم ينتظروا من يأتي ليعيد إليهم مدينتهم بل خرجوا بإرادة صلبة يحملون معاول الحياة في وجه آثار الحرب يزيلون الأنقاض ويفتحون الطرق ويقطعون أشجار المسكيت ويؤدون واجبا إنسانيا عظيما بدفن أكثر من ستين جثمانا خلال يومين
هذا الرقم ليس إحصائية عابرة بل شهادة على حجم المأساة التي عاشتها المدينة ودليل في الوقت ذاته على شجاعة جيل اختار أن يكون جنديا للحياة في وقت أرادت فيه الحرب أن تجعل الموت هو المشهد الوحيد
ما يجري في بارا ليس حملة نظافة بل معركة وطنية ضد اليأس والخراب معركة توحدت فيها إرادة المحلية والقوات المسلحة وكتائب الإسناد والمجتمع على هدف واحد هو إعادة الحياة إلى المدينة
ولا يفوتنا في هذا المشهد أن نحيي المدير التنفيذي لمحلية بارا الأستاذ محمود الأعيسر الذي كان في قلب الميدان لا خلف المكاتب متابعا ومشرفا ومشاركا في أعمال إزالة المخلفات وفتح المسارات
لقد قدم نموذجا للمسؤول القريب من قضايا مواطنيه المؤمن بأن إعادة بناء ما دمرته الحرب لا تكون بالخطابات بل بالعمل الميداني الجاد والتنسيق بين كل مكونات المجتمع
لقد أثبت شباب بارا أن السودان ما زال بخير وأن هذا الوطن يختزن في أبنائه طاقات قادرة على تحويل المحن إلى منح
بينما انشغل البعض بوصف حجم الدمار انشغل هؤلاء بصناعة الأمل وبينما كانت آثار الحرب تملأ المكان كانوا يفتحون الطرق أمام عودة الحياة
فتح الطريق في بارا ليس إزالة عائق أمام مركبة بل فتح لباب الأمل أمام مدينة تريد أن تستعيد عافيتها ودفن الجثامين ليس إجراء تفرضه الظروف بل واجب إنساني يحفظ للإنسان كرامته حتى في أقسى اللحظات
وحملات الرش والتعقيم المنتظرة هي امتداد طبيعي لهذه المعركة معركة حماية البيئة وصحة المواطنين وتهيئة المدينة لمرحلة جديدة
إن ما يجري في بارا رسالة بليغة بأن المدن لا تموت ما دام فيها رجال ونساء يؤمنون بها وأن الحرب مهما خلفت من دمار لا تستطيع أن تهزم إرادة الحياة
بارا اليوم لا تنظف طرقها فقط بل تنظف الطريق نحو المستقبل ولا تزيل الركام من شوارعها وحدها بل تزيح من أمامها آثار اليأس والانكسار
*فاصلة*
التحية لشباب بارا وهم يكتبون بعرقهم واحدة من أنصع صفحات الوفاء للوطن والتحية للمدير التنفيذي الأستاذ محمود الأعيسر ولكل من أسهم في هذه الملحمة
لقد تحول الشباب في بارا من متأثرين بالحرب إلى صانعين للحياة ومن شهود على الخراب إلى شركاء في البناء
وبفعلهم يقولون للعالم إن الحياة أقوى من الحرب وإن المدن التي يحملها أبناؤها في قلوبهم لا تسقط أبدا وإن المستقبل مهما أثقلته الجراح يمكن أن يولد من جديد من بين الركام
اللهم أمنا في أوطا ننا



