مقالات

الدولة التي لا تنتظر الملائكة… رقابة تمنع الفساد لا توثقه بعد وقوعه (3 من 4)

بهدوء وتدبر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

انتهينا في المقال السابق إلى أن فصل الصلاحيات، إذا صُمم ونُفذ بصورة سليمة، يحد من الانفراد بالقرار وإساءة استعمال السلطة. لكن توزيع الاختصاصات وحده لا يكفي؛ إذ لا بد من رقابة تضمن الالتزام بالضوابط، وتمنع المخالفات قدر الإمكان، وتكشفها مبكرًا قبل تفاقم أضرارها.
فالرقابة الفاعلة لا تقتصر على التفتيش بعد وقوع المخالفات، وإنما تبدأ قبل اتخاذ القرار، وتواكب تنفيذه، وتستمر بعد اكتماله. فالرقابة السابقة تتحقق من استيفاء الشروط، والمتزامنة ترصد التجاوزات أثناء التنفيذ، واللاحقة تراجع النتائج وتحدد المسؤوليات. وهذه المراحل متكاملة، لكن منع المخالفة ابتداءً أجدى من اكتشافها بعد وقوع الضرر.
ففي الإنفاق الحكومي، مثلًا، يمكن تصميم أنظمة تمنع اعتماد مصروف يتجاوز الاعتمادات المالية المقررة أو يفتقر إلى المستندات والموافقات اللازمة، وترصد المدفوعات المكررة وتجزئة العقود بقصد التحايل على حدود الصلاحيات، وتقارن الأسعار وتكشف المعاملات غير المعتادة، لتحيل ما يستدعي الفحص منها إلى مراجعة بشرية قبل إتمامه، متى كان ذلك ممكنًا.

وقد أتاحت تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي أدوات متقدمة لرصد مؤشرات المخاطر، لكنها لا تثبت وقوع الفساد بمجرد إطلاق تنبيه، ولا تغني عن التحقيق والمراجعة البشرية. ولذلك ينبغي أن تكون معايير الرقابة واضحة وقابلة للفحص، وأن تخضع الأنظمة نفسها للتدقيق المستقل، مع حماية البيانات وضمان حقوق المتعاملين في الاعتراض والتظلم.
ويمكن الاسترشاد بالمعايير الدولية الصادرة عن المنظمة الدولية للتوحيد القياسي، ومنها ISO 37001:2025 لمكافحة الرشوة، وISO 37301:2021 لضمان الالتزام بالقوانين واللوائح. وهما ليسا برنامجين إلكترونيين، بل معياران يحددان كيفية بناء نظم مؤسسية تشمل تقييم المخاطر، وتحديد المسؤوليات، ووضع إجراءات الوقاية والكشف والمساءلة، ومراجعة فاعليتها باستمرار. ويمكن الاستعانة بجهات متخصصة لترجمة هذه المتطلبات إلى إجراءات إدارية وضوابط إلكترونية قابلة للتطبيق والقياس، بما يتناسب مع طبيعة كل مؤسسة وحجم مخاطرها.

مقالات ذات صلة

ولم تبق هذه المعايير حبرًا على ورق؛ فقد طبقتها مؤسسات حكومية في ماليزيا وبيرو للوقاية من الرشوة، وفي السعودية ودبي لتعزيز الالتزام بالقوانين واللوائح، وحصلت جهات منها على شهادات مطابقة دولية. وهي تجارب تؤكد إمكانية تطبيق هذه النظم عمليًا، وإن كانت فاعليتها في الحد من المخالفات تتوقف على جودة التنفيذ والرقابة المستقلة، لا على الشهادات وحدها.
ولا تقاس فعالية الرقابة بعدد التقارير والمخالفات المسجلة وحدها، بل بمدى انخفاض المخالفات والخسائر، وسرعة اكتشاف التجاوزات ومعالجتها، واسترداد الحقوق ومحاسبة المسؤولين عنها، مع استمرار الخدمات بكفاءة. فالغاية ليست تكثير أجهزة التفتيش، وإنما جعل الوقاية جزءًا من العمل اليومي، وضمان ألا تمر المخالفات دون كشف ومساءلة.

وفي المقال القادم والأخير إن شاء الله: «الدولة الذكية… نظام أقوى من الأشخاص»، نتناول كيف تتكامل هذه المبادئ في منظومة وطنية مترابطة، وما الخطوات العملية للانتقال إليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى