﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾.. حين تكون العقوبة صرفًا عن الهدى
بهدوء وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

من أخوف ما ينبغي أن يخشاه المؤمن ألا تكون عقوبة الذنب ألمًا يراه، ولا خسارةً في مال أو بدن، وإنما أن يُحرم شيئًا من الهدى والتوفيق وهو لا يشعر.
يقول الله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: 9]. والإفك في أصل معناه هو الصرف والقلب عن الوجه؛ والآية في سياقها تتحدث عن الصرف عن الحق. ويزداد المعنى رهبة حين نقرأ في مواضع أخرى من القرآن أن الإعراض والزيغ قد يعقبهما مزيد من الصرف والزيغ، جزاءً وفاقًا لما اختاره الإنسان لنفسه.
وهنا موضع الخوف؛ فالإنسان لا ينتقل عادةً من الاستقامة إلى أقصى الانحراف في لحظة، وإنما قد يبدأ الأمر بتهاون يراه صغيرًا، أو معصية يقع فيها ثم يصر عليها. يستثقلها أول مرة، ثم تخف وطأتها في نفسه مع التكرار، حتى يألفها ويضعف في قلبه استقباح ما كان يستقبحه، وربما انتهى به الأمر إلى ألا يرى فيما يفعله بأسًا.
وقد نبّه القرآن إلى هذا التدرج المخيف، فقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]، وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5]. فالزيغ بدأ منهم، ثم جاءت العقوبة من جنس العمل: مزيدًا من الزيغ وحرمانًا من التوفيق.
ولذلك فليست الخطورة في المعصية وحدها، على عظم خطرها، وإنما فيما قد تجر إليه إذا أصر صاحبها عليها: ذنب يهوّن ذنبًا، وتهاون يجر إلى تفريط، وتفريط يورث قسوة، حتى تصبح الموعظة التي كانت تهز القلب تمر عليه فلا تحركه.
والمؤمن قد يعصي؛ فالعصمة ليست شرطًا للإيمان، ولكن الفارق أن يبقى قلبه حيًا: يندم ويستغفر ويرجع، ولا يحوّل المعصية إلى مقام يقيم فيه مطمئنًا. قال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135].
ويشتد الخوف إذا تعلق التفريط بأمر عظيم كالصلاة، كأن يؤخرها المسلم عن وقتها عمدًا أو استهانةً، ولو وقع ذلك منه مرات قليلة متباعدة. فالصلاة فريضة تتكرر في يوم المسلم وليلته، وقد جعلها الله كتابًا موقوتًا فقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. وجاء فيها من الوعيد والتنبيه ما يحذر القلب من التهاون بها؛ فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]، وقال النبي ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في صلاة الجماعة: «ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق».
فإذا كان هذا شأن الصلاة ومكانتها، فلا ينبغي للمرء أن يطمئن لأن إخراجها عن وقتها عمدًا لم يقع منه إلا نادرًا؛ فالمخيف ليس عدد المرات وحده، وإنما أن يجرؤ القلب مرةً على تجاوز حد عظّمه الله، ثم تكون الثانية أهون من الأولى، حتى يألف ما كان يخشاه.
ورب معصية أخافت صاحبها فردّته إلى الله، ورب تهاون استصغره صاحبه فجرّه إلى غفلة تتسع شيئًا فشيئًا، حتى تبلغ به ما لم يكن يتوقعه. ومن هنا كان بقاء الخوف من الذنب نعمة؛ لأنه دليل على أن القلب لا يزال حيًا يشعر بتقصيره ويرجو العودة.
والإنسان لا يعلم متى يأتيه أجله، فلا ينبغي له، مهما كان من طاعته واستقامته، أن يأمن على نفسه أو يغتر بعمله. وقد وصف الله عباده بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: 27-28]. فالخوف من سوء الخاتمة ليس تشاؤمًا، وإنما باعث على دوام اليقظة والرجوع إلى الله. وقد قال النبي ﷺ: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء»، وكان من دعائه ﷺ: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك».
ومع ذلك، لا يغلق الخوف باب الرجاء؛ فالله الذي حذّر من الزيغ فتح باب العودة مهما كثرت الذنوب، فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. وما دام الإنسان حيًا فباب التوبة مفتوح، وقد تكون لحظة صدق واحدة بداية عودة كاملة.
فلا تقل عن طاعة: سأفعلها لاحقًا، ولا عن معصية: هذه صغيرة وسأتوب يومًا. فالخطر ليس في الخطوة الأولى وحدها، وإنما في الوجهة التي قد تقود إليها الخطوات إذا تتابعت. ومن أعظم نعم الله على عبده أن يهديه إلى الحق، ويحبب إليه الإيمان والطاعة، ويعينه عليهما، ثم يرزقه الثبات حتى يلقاه؛ ومن أشد ما ينبغي أن يخشاه أن يكون جزاء إعراضه مزيدًا من الإعراض، وجزاء تفريطه حرمانًا من التوفيق، فيبتعد وهو لا يشعر.
وهنا يلتقي الخوف والرجاء: نخاف أن نزيغ بعد أن هدانا الله، ونرجوه أن يثبت قلوبنا ويرحمنا؛ ولذلك علّمنا أن ندعوه:
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وارزقنا قلوبًا تخاف الذنب فلا تألفه، وتبادر إلى التوبة كلما زلت، حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.





