مقالات

كنز البحر الأحمر السوداني (10 من 13): البحر بوابة إلى السودان كله

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

إذا نجحنا في جعل البحر الأحمر وجهة عالمية، فسيكون من الخطأ أن تنتهي رحلة السائح عند الشاطئ.
فالميزة التي يملكها السودان، كما ذكرنا من قبل، أنه ليس وجهة بحرية فقط؛ ففي المسافة نفسها التي يستطيع فيها السائح الاستمتاع بالشعاب والجزر، يمكن أن يجد الجبال والصحراء والثقافات المحلية، ثم يمتد أمامه السودان إلى النيل وآثار حضارات ضاربة في القدم.
وهنا تكمن فرصة اقتصادية مهمة:
أن يكون البحر الأحمر وجهة في ذاته، وبوابة إلى السودان في الوقت نفسه.
وأقرب الامتدادات الطبيعية للرحلة سواكن؛ المدينة التاريخية على البحر الأحمر، ذات التراث العمراني والميناء الذي ارتبط قرونًا بالحج والتجارة وحركة البشر بين إفريقيا والجزيرة العربية. وسواكن مدرجة منذ عام 1994 في القائمة التمهيدية للسودان لدى اليونسكو، لكنها ليست حتى الآن موقعًا مسجلًا في قائمة التراث العالمي؛ وهو تمييز مهم حتى لا ننسب إليها صفة لم تحصل عليها بعد.
ولا ينبغي أن تقدم سواكن للسائح باعتبارها مباني قديمة فحسب، بل تجربة تاريخية متكاملة: ترميم يحفظ طابعها، ومسارات للزيارة، وشرح لتاريخها، ومتاحف ومقاهٍ وأسواق وحرف وخدمات تتيح للزائر أن يفهم المكان لا أن يمر به مرورًا.

ثم تأتي ثقافة البجا، وهي من أعظم عناصر التميز في شرق السودان. فالزائر لا يبحث دائمًا عن الطبيعة وحدها؛ بل يريد أن يعرف الإنسان الذي عاش فيها، وطعامه وحرفه وفنونه وملابسه وتاريخه وطريقة تفاعله مع بيئته.
لكن الثقافة ليست عرضًا مسرحيًا نصنعه للسائح، وأهل المنطقة ليسوا جزءًا من ديكور المنتجع. ولذلك ينبغي أن يكون تقديم التراث بمشاركة أصحابه، وأن تعود منافعه عليهم من خلال الإرشاد والحرف والطعام والنقل والمشروعات والخدمات.
ومن الساحل يمكن أن تمتد الرحلة إلى جبال البحر الأحمر والصحراء، حيث المشاهد الطبيعية والرحلات والمشي والتصوير ومراقبة النجوم وغيرها من الأنشطة التي يمكن تطويرها في المواقع المناسبة، بعد دراسة السلامة والبيئة وسهولة الوصول.
وهنا تتغير طبيعة الرحلة. فبدل أن يشتري السائح سبع ليالٍ في منتجع بحري فقط، يمكن أن يشتري برنامجًا يجمع البحر والجبل والصحراء والثقافة والتاريخ. وكل يوم إضافي يقضيه داخل السودان يعني فرصة إضافية للفندق والمطعم والمرشد والسائق والحرفي والمزارع وغيرهم.

ثم يمكن، مع تطور النقل الداخلي واستقرار البلاد، أن يمتد المسار إلى النيل وشمال السودان، حيث ينتقل السائح من عالم الشعاب المرجانية إلى عالم الحضارات القديمة.
وفي شمال السودان يقع جبل البركل ومواقع المنطقة النبتية، المدرجة في قائمة التراث العالمي منذ عام 2003، وتضم خمسة مواقع أثرية هي جبل البركل والكرو ونوري وصنم والزومة، وترتبط بالحضارتين النبتية والمروية. كما تضم قائمة التراث العالمي منذ عام 2011 المواقع الأثرية لجزيرة مروي، وتشمل مدينة مروي وموقعي النقعة والمصورات الصفراء، بما تحمله من شواهد حضارة كوش.
وهنا يملك السودان شيئًا يصعب على الوجهات البحرية الخالصة أن تقدمه:
أن يبدأ السائح صباحه أمام البحر، ثم تصبح رحلته نفسها انتقالًا بين الطبيعة والإنسان والحضارة.
ولا يعني ذلك أن نجمع كل شيء في برنامج واحد طويل. بل ينبغي بناء منتجات سياحية متعددة: من يريد البحر وحده يجده، ومن يريد البحر وسواكن يجد برنامجًا مناسبًا، ومن يريد البحر والجبل والصحراء يجد مسارًا آخر، ومن يريد الجمع بين البحر والنيل والآثار يستطيع شراء رحلة أطول.

وبذلك لا نلزم السائح بالسودان كله؛ بل نتيح له أن يختار السودان الذي يناسبه.
لكن مجرد وجود المواقع لا يصنع هذه الرحلات. فالآثار التي يصعب الوصول إليها، أو الموقع الذي لا يجد فيه الزائر دليلًا مؤهلًا أو دورة مياه نظيفة أو وسيلة نقل موثوقة، يظل موردًا سياحيًا غير مكتمل.
ولهذا فإن ربط البحر ببقية السودان يحتاج إلى طرق ونقل داخلي ومعلومات وحجز وإقامة وإرشاد وسلامة، وإلى إدارة تحفظ المواقع بدل أن يزداد عدد الزوار على حسابها.
والأمر نفسه ينطبق على المجتمعات المحلية؛ فكلما امتدت الرحلة خارج المنتجع اتسعت دائرة المستفيدين من السياحة. وهنا تبدأ قيمة البحر الأحمر في تجاوز الفندق والغواص وقائد القارب لتصل إلى صاحب المطعم والحرفي والمزارع والراعي والسائق والمرشد وغيرهم.
ومن هنا يمكن أن تتشكل هوية سياحية أقوى من تسويق كل موقع منفردًا:
البحر الأحمر السوداني… بوابة إلى السودان.
فالمنتجع يجذب السائح، والبحر يمنحه سبب الوصول، ثم يمنحه السودان أسبابًا للبقاء مدة أطول والإنفاق في مناطق أكثر والعودة لتجارب أخرى.
وهكذا يصبح نجاح السياحة البحرية بداية لتنشيط سلسلة أوسع من الاقتصاد الوطني، لا نشاطًا محصورًا في بضعة منتجعات على الساحل.
لكن يبقى السؤال الأهم اقتصاديًا:
كم من المال الذي ينفقه السائح سيبقى فعلًا داخل السودان، وكم منه سيصل إلى المواطن والمجتمعات المحيطة بالمشروع؟
وهذا ما نتناوله في المقال القادم بإذن الله:
«حين يصل عائد السائح إلى المزارع والصياد والعامل»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى