
هناك حكايات عاش ابطالها مواقف لايمكن أن تنسي وستظل محفوره في ذاكرتهم الي الأبد، حكايات كانت في لحظتها موجعة ومؤلمه ومخيفة إلى درجة لا تسمح حتى بالتفكير في تفاصيلها، لكننا حين نحكيها اليوم ربما نبتسم او نضحك ليس لأن ما حدث كان مضحكاً وإنما لأن الزمن أبعدنا قليلاً عن لحظة الخوف، فأصبح بإمكاننا أن نتخيل المشهد من زاوية أخرى.
ومن تلك الحكايات حكاية حافلة ركاب كانت تقل عدداً من الذين قرروا مغادرة الخرطوم بحثاً عن النجاة والأمان واتجهوا صوب ولاية نهر النيل.
كانت نقاط التفتيش والارتكازات الخاصة بمليشيا الدعم السريع كثيرة خصوصاً مع بدايات الحرب حين كانوا يسيطرون علي مناطق واسعه من ولاية الخرطوم وفي كل ارتكاز يتوقف الركاب للتفتيش والإزلال معاً فيفقدون شيئاً مما يحملون من أموال وهواتف .
حتى وصلوا إلى آخر ارتكاز لهم في منطقة الجيلي، وهذه المرة لم يجدوا مع الركاب شيئاً يستحق المصادرة، فكانت المفاجأة أن جُرّدوا الركاب من ملابسهم تحت تهديد السلاح ولم يراعوا ان بينهم نساء وتركوهم دون شئ يستر اجسادهم .
كل شخص يحاول أن يجد لنفسه مكاناً يختبئ فيه، وكل واحد يحاول أن يستر نفسه بأي طريقة، ولا أحد يستطيع أن ينظر إلى الآخر. مشهد مرتبك ومضحك في تفاصيله، لو أنك شاهدته في غير تلك الظروف.
لكن الحقيقة أن المشهد لم يكن مضحكاً على الإطلاق، بل كان مهيناً ومؤلماً وقاسياً على أناس خرجوا من بيوتهم هرباً من الخوف ليجدوا أنفسهم في لحظة من أكثر لحظات الحرب قسوة وإذلالاً.
ومن حسن حظهم ان سائق الحافلة كان يخبئ هاتف (ربيكا) تحت مقعده
وفور تحركه من الارتكاز اتصل ببعض معارفه من القرى القريبة من الجيلي وروى لهم ما حدث
فلم يترددوا في المساعدة
واستقبلوا ركاب الحافلة بما توفر لديهم من ملابس وملايات ليستروا أجساداً كانت مغلوبةً علي امرها ويعيدوا إليهم شيئاً من كرامتهم التى تبعثرت تحت اقدام من لا إنسانية لهم وحق لنا أن فعلياً أن نسأل من أين أتى هؤلاء؟؟ .
وهنا تتبدل الصورة فالحرب التي أظهرت قسوة بعض البشر، أظهرت أيضاً نخوة آخرين لم يكن لديهم الكثير لكنهم امتلكوا ما يكفي من الإنسانية ليستروا غرباء لا يعرفونهم .
نبض الورد
الحرب لم تأخذ فقط ، بل كشفت ما في الناس من قسوة ونخوة وإنسانية.





