الصادق يسين يكتب | علي خطي الاصلاح | انتبهوا .. حينما يصبح رغيف الخبز أولوية الصمود ..!!

في قلب المعاناة المأساوية التي كادت أن تعصف بالبلاد وتطحن بين فكيها تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط .. تتجاوز الحرب حدود الجبهات العسكرية لتستقر قسوةً وجوعاً على موائد الفُقراء .. ومع تتالي الاوجاع والأزمات
وتراجع الإنتاج المحلي يظل الجنيه يواصل انحداره الهائل نحو درك سحيق لتشتعل أسعار السلع الأساسية التي يركض خلفها (محمد أحمد الغلبان) كل صباح دون جدوى في ظل تخبط اقتصادي أفسح المجال كاملاً للتجار وأسواق الجشع الموازية .. ولعل ما يزيد هذه الأزمة المعقدة اشتعالاً هو تباين الجهات والمبادرات التي تدير المشهد الميداني الان إذ أدى انتشار نقاط التفتيش والتعقيدات غير الرسمية على
الطرقات إلى اختناق سلاسل التوريد وشلل حركة نقل السلع بين الولايات لتتحول كل جباية يُفترض دفعها في الطريق إلى أثقال مضاعفة يُفجع بها المستهلك في سعره النهائي ويتراجع معها (المخبز ) من منفذ خدمي إنساني يوفر أود العيش إلى حلبة صراع يومي ودرامي من أجل مجرد لقيمات تُقيم الصلب .
إن إدارة هذا الواقع المعيشي المأساوي لم تعد تحتمل الحلول الترقيعية التي أثبتت فشلها الذرئع ولا سياسات (التسعير الإجباري) القسرية التي تدفع المخابز دفعاً لنفاذ مخزونها والخروج من الخدمة بل تتطلب بالضرورة رؤية إنقاذ عاجلة تضع الأمن الغذائي فوق أي اعتبار سلطوي أو سياسي .. وتتحقق هذه الرؤية عبر تأمين مسارات آمنة وشفافة لنقل القمح والدقيق تحت إدارة تنفيذية موحدة تمنع الرسوم غير الرسمية وتحد من تسرب السلع للسوق
السوداء بالتوازي مع تقديم مختلف التسهيلات المباشرة للمخابز والمطاحن تشمل الوقود والمدخلات التشغيلية لضمان استمراريتها دون تحميل المواطن أعباءً جديدة.. كما يستوجب الأمر ضبط السياسة النقدية بتوحيد القنوات المالية الرسمية وتوجيه الموارد المتاحة نحو استيراد السلع الاستراتيجية لكبح المضاربات مع ضرورة تفعيل الرقابة المجتمعية بإشراك الكيانات الأهلية ولجان الأحياء لتنظيم التوزيع وقطع دابر الاحتكار والتركيز العاجل على دعم الإنتاج الزراعي الوطني في الولايات الآمنة لتخفيف التبعية الكاملة للخارج .
إن الحفاظ على انسياب (رغيف الخبز) بسعر مقدور عليه ليس مجرد إجراء اقتصادي عابر بل هو الركيزة الأساسية والوحيدة الباقية للتماسك الاجتماعي وصمود الناس داخل أرضهم .. فإذا عجز الأب عن توفير لقمة الخبز لأطفاله داخل وطنه بالتأكيد سيكون النزوح واللجوء خياراً قسرياً يُفرض عليه رغماً عن أنفه فبعد أن فقد هذا الشعب الصابر كل ما يملك من ديار وأمان لن يقبل أن يقدم بعض أبناءه قرباناً لشهوات أصحاب المطامع الذاتية والتي تخرج من عقول
المفسدين الذين اعماهم بريق السلطة الزائل والصراع الذي يدور حولها عن شعبٍ أعطى وما بخل يوما قط.. لقد بات هذا الشعب العظيم أمام (صلف الريادة وعمى القيادة) يئن في صمت ويكتم وجعه ويردد في سره بكبرياء وألم عميق ..
( أَطْوِي عَلَى الخَمَائِصِ كَشْحِي لا يَرَى سِرِّي عَدُوٌّ أَوْ يَلُومَ صَدِيقُ
وَيَطُولُ صَبْرِي وَالأَذَى يَكْتَفُّنِي كَيْ لا يَقُولُوا ضَاقَ عَنْهُ طَرِيقُ ) ..
هذا هو لسان حال المواطن السوداني اليوم سيدي رئيس المجلس السيادي .. تجلدٌ وجوعٌ وصبرٌ جميل فوق طاقة الاحتمال فكيف سيكون المآل يا تُرى إذا انقطع من بعد ذلك حتى رغيف الخبز ..؟!





