مقالات

كنز البحر الأحمر السوداني (7 من 13): الشمس والبحر… كيف تعمل جزيرة بلا شبكة؟

بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي | بهدوء و تدبر

عرفنا من هو السائح الذي يمكن أن نستهدفه، لكن اختيار جزيرة أو شاطئ بعيد لإقامة منتجع يطرح سؤالًا عمليًا:
من أين تأتي الكهرباء والمياه، وإلى أين يذهب الصرف والنفايات إذا لم تصل إلى الموقع شبكات عامة؟
قد يبدو غياب الشبكات عائقًا، لكنه في السياحة الحديثة يمكن أن يدفع إلى بناء منتجع شبه مستقل، ينتج جانبًا كبيرًا من احتياجاته ويعالج مخلفاته في الموقع بدل انتظار امتداد الشبكات إليه.

وأول العناصر الطاقة.
يمتلك البحر الأحمر السوداني موردًا شمسيًا كبيرًا، ويمكن أن تقوم المنظومة على الألواح الشمسية والبطاريات وإدارة الأحمال بكفاءة، مع مصدر احتياطي مناسب للطوارئ والفترات التي لا يكفي فيها الإنتاج والتخزين.
ولا تقتصر الدراسة على الشمس؛ بل ينبغي قياس مورد الرياح ودراسة جدوى دمجه معها متى كان مناسبًا، كما يمكن تقييم إمكان الاستفادة من طاقة الأمواج إذا أثبتت خصائص الموقع وجدواها الفنية والاقتصادية صلاحيتها. والغاية ليست اختيار مصدر بعينه مسبقًا، وإنما الوصول إلى المزيج الأنسب والأكثر موثوقية والأقل تكلفة وأثرًا بيئيًا لكل موقع.

ولهذا لا ينبغي أن نقرر مسبقًا أن المنتجع سيعمل بالطاقة المتجددة بنسبة 100٪؛ فهذه نتيجة تحددها الدراسة الهندسية وفق حجم المنتجع، والتكييف، والتحلية، والمطابخ، والمسابح، والقوارب والخدمات الأخرى. والمطلوب هو أعلى اعتماد اقتصادي وموثوق على الطاقة النظيفة، لا نسبة دعائية تفرض قبل الحساب.
والعنصر الثاني المياه.
فمياه البحر نفسها يمكن تحليتها بتقنية التناضح العكسي؛ أي تمريرها عبر أغشية دقيقة تفصل عنها معظم الأملاح، ثم معالجة المياه الناتجة لتصبح مناسبة للاستخدام المقصود وفق المعايير الصحية.

لكن التحلية لا تنتهي عند إنتاج الماء العذب؛ فهي تنتج أيضًا مياهًا أعلى ملوحة تسمى الرجيع الملحي، ويجب تصميم طريقة تصريفها وفق دراسة بيئية وهندسية تمنع الإضرار بالشعاب والكائنات البحرية.
ثم يأتي الصرف الصحي. فإقامة منتجع فاخر فوق بحر نادر ثم تصريف مياهه الملوثة إليه تناقض اقتصادي قبل أن تكون خطأً بيئيًا. ولذلك ينبغي جمع مياه الصرف ومعالجتها إلى المستوى المطلوب.

ويمكن إعادة استخدام المياه المعالجة، بعد بلوغها المواصفات المطلوبة، في ري المسطحات الخضراء والنباتات الملائمة للبيئة الساحلية، ومنها النباتات المتحملة للملوحة مثل الساليكورنيا، بحسب ملوحة المياه والتربة؛ وبذلك نقلل استهلاك المياه المحلاة ونحوّل جزءًا من المياه المستعملة إلى مورد نافع.
أما النفايات الصلبة، فالأصل أن نقلل ما يدخل الجزيرة منها ابتداءً، ثم نفرز ما ينتج، ونعيد ما يمكن تدويره أو معالجته إلى البر وفق منظومة منتظمة، بدل أن تتحول الجزيرة الجميلة إلى موقع لدفن النفايات.

وينطبق الأمر نفسه على الغذاء والإمدادات. فليس منطقيًا نقل كل شيء من مسافات بعيدة إذا أمكن بناء سلسلة توريد موثوقة من الساحل والمناطق المنتجة في السودان للأسماك واللحوم والخضر والفواكه وغيرها، مع الالتزام بالجودة والسلامة والاستمرارية.
ويمكن كذلك أن يساعد التصميم المعماري نفسه على خفض استهلاك الطاقة: توجيه المباني بما يقلل اكتساب الحرارة، والاستفادة من الظل والتهوية الطبيعية حيث تسمح الظروف، واستخدام العزل الجيد والمعدات عالية الكفاءة.

فأرخص وحدة كهرباء هي التي لا نحتاج إلى إنتاجها أصلًا.
وهذه ليست أفكارًا نظرية فقط. فوجهة The Red Sea السياحية في السعودية تقدم مثالًا إقليميًا على إمكان تشغيل وجهة سياحية فاخرة بمنظومات مستقلة واسعة؛ إذ تعتمد، وفق مطورها، على الكهرباء المتجددة، مع أكثر من 760 ألف لوح شمسي ومنظومة كبيرة لتخزين الطاقة، إلى جانب تحلية المياه ومعالجتها وإدارة دورة المياه. ولا يعني ذلك أن السودان يحتاج إلى تقليد حجم الاستثمار السعودي، بل إن التقنيات التي تجعل الوجهة البعيدة قابلة للتشغيل أصبحت موجودة بالفعل.

وقد يكون تأخر بعض البنية الأساسية في السودان فرصة من زاوية أخرى؛ فبدل أن نبني منظومات قديمة ثم ننفق لاحقًا لتحديثها، نستطيع أن نبدأ منذ البداية بتقنيات أحدث في الطاقة والمياه والصرف وإدارة الاستهلاك.
لكن استقلال المنتجع لا يعني أن يصبح جزيرة منفصلة عن الدولة. فهو يحتاج إلى معايير وطنية للكهرباء والمياه والصرف والسلامة والبيئة، وإلى تفتيش ورقابة ومحاسبة.
فالاستقلال التشغيلي لا يعني الاستقلال عن القانون.
وهكذا لا يكون السؤال: كيف نوصل كل شبكة عامة إلى كل جزيرة؟

بل قد يكون في بعض المواقع:
كيف نصمم منتجعًا ينتج طاقته، ويحلي مياهه، ويعالج صرفه، ويدير نفاياته، بأقل أثر ممكن على البيئة؟
وعندها تتحول الشمس والرياح والبحر من مجرد عناصر للطبيعة إلى موارد يمكن أن تسهم في تشغيل المشروع نفسه.

وبعد أن عرفنا لمن نبني، وكيف يمكن أن يعمل المنتجع بعيدًا عن الشبكات، يأتي السؤال عن الأصل نفسه:
هل نبيع الجزيرة للمستثمر، أم نستثمرها بطريقة تبقي ملكيتها وعائدها المتجدد للسودان؟
وهذا ما نتناوله في المقال القادم بإذن الله:
«لا نبيع الجزر… نجعلها أصولًا تدر الدخل»

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى