مقالات

مجمعات خدمات الجمهور.. الوجه الذي تختبر فيه الدولة علاقتها بالمواطن

سعاد سلامة تكتب | همس البوادي

لم يعد المواطن اليوم يبحث فقط عن مؤسسة تؤدي واجبها بل أصبح يتطلع إلى مؤسسات تفهم احتياجاته وتحترم وقته وتختصر عليه الإجراءات وتقدم له الخدمة بالكفاءة والسرعة التي تفرضها متطلبات العصر
وفي هذا السياق تبرز مجمعات خدمات الجمهور باعتبارها أكثر من مجرد مراكز لإنجاز المعاملات فهي النافذة التي يرى المواطن من خلالها مدى قدرة الدولة على التطور والاقتراب منه ومدى نجاحها في تحويل مفهوم الخدمة العامة من التعقيد إلى التيسير

فالشرطة في مفهومها الحديث لم تعد تقتصر رسالتها على حفظ الأمن ومكافحة الجريمة وبسط هيبة القانون رغم أن ذلك يظل جوهر واجبها الأساسي وإنما أصبحت شريكاً فاعلاً في تقديم الخدمات المدنية والشرطية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة

ومن هنا تأتي أهمية الإدارة العامة لمجمعات خدمات الجمهور كنموذج عملي لشرطة تسعى إلى تعزيز ثقة المواطن عبر خدمة حديثة ومنظمة وسريعة
وخلال منبر الشرطة الدوري رقم 5 طرح المدير العام لمجمعات خدمات الجمهور اللواء شرطة طارق الريح عدداً من الرؤى والأفكار التي تستحق التوقف عندها ليس فقط لأنها تتعلق بالخدمة الشرطية وإنما لأنها ترتبط بمفهوم

الدولة الحديثة وإدارة العلاقة بين المواطن ومؤسساتها
فقد دعا الريح إلى سن قانون يجرم عدم حمل الهوية الشخصية مستنداً إلى واقع يشير إلى أن كثيراً من المواطنين لا يهتمون باستخراج الوثائق الثبوتية إلا عند الضرورة القصوى أو الحاجة الملحة

 

وهي دعوة تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول أهمية الهوية الوطنية باعتبارها إحدى أدوات حماية الأمن والسيادة خاصة في ظل الظروف التي مرت بها البلاد وما صاحبها من تحديات أمنية وديموغرافية معقدة
وفي تقديري فإن جوهر القضية لا يكمن فقط في إلزام المواطن بحمل الهوية وإنما في ترسيخ ثقافة مجتمعية تجعل من استخراج الوثائق الثبوتية جزءاً من السلوك المدني الطبيعي

لأن الهوية اليوم لم تعد مجرد مستند رسمي بل أصبحت مفتاحاً للحصول على الخدمات وضماناً للحقوق ووسيلة لحماية الدولة والمجتمع معاً
ومن الأفكار اللافتة التي طرحها المدير العام لمجمعات خدمات الجمهور دعوته إلى إنشاء نافذة موحدة تجمع مختلف الخدمات المرتبطة بالمواطن بما فيها الضرائب والزكاة وشؤون المغتربين وغيرها من المعاملات الحكومية
وهي فكرة تتسق مع الاتجاه العالمي نحو الحكومة الإلكترونية والخدمات المتكاملة التي تختصر الوقت والجهد والتكلفة

إن قيمة هذه المجمعات لا تكمن فقط في جمع عدد من الخدمات تحت سقف واحد وإنما في الفلسفة التي تقوم عليها وهي ألا يضطر المواطن إلى التنقل بين عشرات المكاتب لإنجاز معاملة واحدة وألا تتحول الخدمة إلى رحلة مرهقة تستنزف الوقت والمال والطاقة
فالعالم تغير والخدمات تغيرت معه والمواطن الذي يستطيع اليوم إنجاز معاملاته المصرفية والتجارية والتعليمية عبر هاتفه المحمول لن يقبل أن تظل بعض الخدمات الحكومية أسيرة الملفات الورقية والطوابير الطويلة والإجراءات التقليدية

ولذلك فإن التحول الرقمي لم يعد رفاهية أو خياراً مؤجلاً بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة
ونحن بحاجة إلى خدمات ذكية تتيح للمواطن حجز موعده إلكترونياً ومعرفة متطلبات معاملته مسبقاً ومتابعة مراحل إنجازها لحظة بلحظة والحصول على الإشعارات دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب مرات متكررة ط
كما أن الربط الإلكتروني بين الإدارات المختلفة يمكن أن يختصر الكثير من الإجراءات ويحد من تكرار المستندات ويزيد من كفاءة الأداء

كما تبدو دعوة اللواء طارق الريح إلى تخصيص نوافذ مصرفية داخل المجمعات خطوة مهمة نحو تنظيم عمليات السداد المالي وتسهيلها بما يسهم في الحد من السماسرة والممارسات السالبة التي كثيراً ما تربك المواطنين وتضيف أعباءً إضافية على الخدمة

ولعل من أكثر ما يستوقف المتابع حديثه عن حجم التخريب الذي تعرضت له مجمعات خدمات الجمهور خلال الحرب
فالأضرار التي لحقت بهذه المرافق لم تكن مجرد آثار جانبية للصراع بل كانت عمليات حرق ونهب وتدمير ممنهج استهدفت البنية التحتية والأجهزة التقنية وقواعد البيانات في محاولة لشل الخدمات وطمس الهوية الوطنية

غير أن ما يحسب للشرطة السودانية أنها لم تتعامل مع هذه الخسائر باعتبارها نهاية المطاف بل شرعت في استعادة المجمعات وتأهيلها وإعادتها إلى الخدمة
وهذه الجهود لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد عملية إعادة تشغيل لمؤسسات متوقفة وإنما فرصة لإعادة البناء بصورة أكثر تطوراً وكفاءة مما كانت عليه قبل الحرب
وهنا يجب ألا يكون هدفنا إعادة القديم فحسب بل صناعة الجديد

نريد مجمعات أكثر تنظيماً وخدمات أسرع وأنظمة إلكترونية أكثر تطوراً وربطاً رقمياً بين المؤسسات المختلفة وقواعد بيانات مؤمنة تحفظ معلومات المواطنين وتصون حقوقهم مع قنوات واضحة للشكاوى والملاحظات وقياس رضا الجمهور بصورة مستمرة

ومن الجوانب الإيجابية التي تستحق الإشادة تخصيص خدمات مميزة للمعلمين تقديراً لدورهم الوطني والتربوي إلى جانب تخصيص نوافذ لذوي الاحتياجات الخاصة وهو توجه يعكس البعد الإنساني للخدمة العامة ويؤكد أن التطوير الحقيقي لا يقاس بالأجهزة والتقنيات وحدها بل بمدى مراعاة احتياجات الفئات المختلفة من المجتمع

كما أن الاهتمام بتدريب وتأهيل الكوادر الشرطية نفسياً ومهنياً يمثل عنصراً أساسياً في نجاح التجربة فالتكنولوجيا مهما بلغت من التطور لا تستطيع أن تحل محل الموظف المؤهل الذي يدرك أن الخدمة مسؤولية وأمانة قبل أن تكون وظيفة
والشرطة التي تقف في الشارع لحماية المواطن يجب أن يكون موظفوها خلف نوافذ الخدمة بالقدر نفسه من الانضباط والاحترام وحسن التعامل

إن منبر الشرطة الدوري الذي سلط الضوء على مجمعات خدمات الجمهور لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة لعرض ما تم إنجازه بل فرصة لفتح حوار وطني واسع حول مستقبل الخدمات الحكومية في السودان وكيفية توظيف التكنولوجيا لبناء علاقة أكثر قوة وثقة بين المواطن والدولة
فالشرطة القوية ليست فقط التي تواجه الجريمة بحزم

القانون وإنما أيضاً التي تكسب ثقة المواطن بحسن الخدمة
وإذا كان الأمن يصنع الاستقرار فإن الخدمة الجيدة تصنع الثقة والثقة هي الجسر الذي تعبر عليه الدولة نحو مواطنيها
إن مجمعات خدمات الجمهور يمكن أن تكون واحدة من أهم بوابات تحديث الدولة السودانية إذا أحسن استثمارها وربطها بالتحول الرقمي الشامل وإذا جعلنا المواطن المعيار الأول لنجاحها

 

فالرسالة الأهم اليوم أن الشرطة لا تستعيد خدماتها فحسب بل تملك فرصة حقيقية لتأسيس مرحلة جديدة من الخدمة العامة تكون فيها السرعة عنواناً والتقنية وسيلة والانضباط قاعدة والمواطن محوراً وغاية
وهكذا تصبح مجمعات. خدمات الجمهور أكثر من مجرد مكان لإنجاز المعاملات بل وجهاً حديثاً للدولة ودليلاً على أن الشرطة السودانية قادرة على الجمع بين قوة القانون وإنسانية الخدمة وبين حماية المواطن وتيسير حياته

*اللهم آمنا في أوطاننا*

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى