مقالات

رغيف الحبة الكاملة.. صحة أفضل واقتصاد أوفر

بهدوء وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

يمر السودان اليوم بأزمة اقتصادية خانقة ألقت بثقلها على ضروريات الحياة، وفي مقدمتها الخبز؛ ذلك الغذاء اليومي الذي أصبح توفير القمح والدقيق اللازمين لإنتاجه عبئًا كبيرًا على البلاد ومواردها المحدودة من النقد الأجنبي. وفي مثل هذه الظروف ينبغي ألا ينحصر تفكيرنا في كيفية توفير الرغيف بالصورة التي اعتدناها، بل أن نراجع هذه الصورة نفسها: لماذا نستورد القمح أو ننتجه، ثم نستبعد أجزاء مهمة من حبته لنحصل على دقيق أبيض أقل في نسبة الاستخلاص والقيمة الغذائية، بينما نستطيع طحن الحبة كاملة والاستفادة منها إلى أقصى حد؟
ومن هنا أرى أن من أبسط ما يمكن أن تتبناه الدولة وأسرعه وأجدى أثرًا هو تشجيع إنتاج دقيق حبة القمح الكاملة وخبزه على نطاق واسع؛ فالقمح هو القمح، والمطاحن والمخابز موجودة، وعادة الناس على خبزه قائمة، وإنما ننتقل من دقيق شديد التكرير تُستبعد عند إنتاجه أجزاء من الحبة إلى دقيق يحتفظ بالحبة كاملة تقريبًا بعد تنظيفها من الشوائب.

فحبة القمح تتكون أساسًا من النخالة والجنين والسويداء، وعند إنتاج الدقيق الأبيض تزال معظم النخالة والجنين ويعتمد الدقيق أساسًا على السويداء، مع أن الأجزاء المستبعدة غنية بالألياف وعدد من العناصر الغذائية. أما دقيق القمح الكامل فتدخل فيه أجزاء الحبة بنسبها الطبيعية تقريبًا، فتزداد نسبة الاستفادة من القمح وتبقى مكونات غذائية كان التكرير يستبعد جانبًا مهمًا منها.
ولعل من أخطاء الإنسان المعاصر أنه جعل شدة التنقية وبياض الدقيق ونعومة الرغيف علامات على الجودة، مع أن الغذاء يفقد بالتنقية بعضًا من أهم مكوناته. كما تضاف إلى كثير من أنواع الدقيق الأبيض التجاري مواد مختلفة غير طبيعية لأغراض تتصل بتحسين الدقيق أو الخَبز أو التدعيم، وتختلف أنواعها وما يسمح به منها من بلد إلى آخر.

وجعل الخبز الأبيض غذاءً أساسيًا متكررًا يعني الاعتماد المستمر على دقيق نزعت منه أجزاء مهمة من الحبة. وهو أقل في الألياف من خبز الحبوب الكاملة، ويُهضم نشاه عادة بسرعة أكبر، وقد يرفع سكر الدم بعد تناوله بصورة أسرع من كثير من الأغذية الغنية بالألياف، كما يكون أقل إسهامًا في الشبع وصحة الجهاز الهضمي. وقد ارتبط تناول الحبوب الكاملة عمومًا بنتائج صحية أفضل وانخفاض مخاطر عدد من الأمراض المزمنة مقارنة بالإكثار من الحبوب المكررة.
والأمر في السودان لا يقف عند الفائدة الصحية؛ فله بعد اقتصادي بالغ الأهمية. فحين نطحن حبة القمح كاملة بعد تنظيفها وإزالة الشوائب، يمكن أن تقترب نسبة الاستخلاص من 100%، بدل فقد جزء معتبر من وزن الحبة للحصول على الدقيق الأبيض. وبذلك نستفيد من كمية أكبر من الدقيق والغذاء من كل طن قمح، ونحسن استغلال مورد بالغ الأهمية، سواء أكان القمح منتجًا محليًا أم مستوردًا، ونقلل الكمية التي تحتاج إليها البلاد لتوفير المقدار نفسه من الدقيق.

وبغض النظر عما يثار من جدل حول الجدوى الاقتصادية لزراعة القمح في السودان من عدمها، فإن إنتاج خبز حبة القمح الكاملة يظل خيارًا أجدى اقتصاديًا وأفضل صحيًا في الحالتين؛ لأن القمح ما دام يُستهلك في البلاد باستمرار، سواء أكان مستوردًا أم منتجًا محليًا، فإن له تكلفة تتحملها البلاد والمستهلك، يرتبط جانب منها بالنقد الأجنبي مباشرة عند الاستيراد، أو بمدخلات إنتاج وتسعير تتأثر به عند الزراعة المحلية، أو بكليهما. ومن ثم فإن تعظيم ما نحصل عليه من كل طن قمح وتقليل ما نستبعده منه يظل مكسبًا قائمًا بذاته، سواء صحت الرؤية القائلة بجدوى التوسع في زراعة القمح محليًا أم لم تصح.
وإذا ثبتت الجدوى وتوافرت الظروف المناسبة للإنتاج المحلي، فهنا تظهر فرصة أخرى لا تقل أهمية: إعطاء القمح السوداني المنتج محليًا الأولوية في صناعة دقيق الحبة الكاملة. فخلق سوق واسعة ومستقرة لهذا الدقيق يشجع المزارعين على التوسع في زراعة القمح، ويحفز تحسين أصنافه وإنتاجيته وجودته، ويجعل جزءًا متزايدًا من قيمة الرغيف يبقى داخل الاقتصاد الوطني بدل أن يخرج لتمويل الاستيراد.

ولا يتطلب الانتقال إلى الحبة الكاملة أن نضحي بقبول الرغيف لدى المستهلك؛ فالتقنيات الحديثة في التنظيف والطحن وضبط حجم الجزيئات والعجن والتخمير والخَبز تتيح تطوير رغيف كامل جيد القوام والطعم والطراوة، مع الاستعانة عند الحاجة بوسائل ميكانيكية أو روابط وإضافات طبيعية صحية، دون نزع مكونات الحبة النافعة لمجرد الوصول إلى اللون الأبيض الذي اعتدناه.
ومما يشجع على هذا التحول اليوم أن ثقافة الحبوب الكاملة قد انتشرت، وتغيرت نظرة كثير من الناس إلى الخبز؛ فلم يعد بياض الرغيف يغريهم كما كان، ولا عادت سمرة خبز الحبة الكاملة تزهدهم فيه، بل أصبحت عند كثيرين مما يستحسنونه ويقبلون عليه، لما اقترنت به في الوعي الغذائي من معنى الصحة والطبيعة والاحتفاظ بمكونات الحبة. وهذا التحول في ذوق المستهلك ووعيه يزيل واحدة من العقبات التي كان يمكن أن تواجه تعميم خبز القمح الكامل في الماضي.

وعلى المستوى الشخصي، فمنذ أمد بعيد لم يعد رغيف دقيق القمح الأبيض جزءًا من غذائي إلا اضطرارًا وفي أحوال نادرة؛ إذ أعتمد في الغالب على منتجات الذرة الرفيعة، كالكسرة والعصيدة، وأتناول الدخن أحيانًا، كما أتناول القراصة المصنوعة من دقيق حبة القمح الكاملة. ولم تعد هذه عندي مجرد بدائل أتناولها في أوقات مخصوصة، بل أصبحت تقوم مقام الخبز الأبيض في الطعام كله، حتى مع الفول والعدس وسائر الأطعمة التي جرت العادة على تناولها مع الرغيف. وقد أكدت لي هذه التجربة الممتدة أن الاستغناء عن الخبز الأبيض ليس أمرًا عسيرًا، وأن كثيرًا مما نظنه ضرورة في غذائنا اليومي ليس في حقيقته إلا عادة ألفناها، ويمكن تغييرها بسهولة متى وجد البديل الطيب المقبول.
ولا بأس، بالتوازي مع جعل خبز حبة القمح الكاملة هو المحور، أن نشجع البدائل والخلطات الأخرى؛ فالسودان غني بالذرة والدخن وغيرهما من الحبوب التي عاشت عليها أجيال من أهله، ويمكن تطوير خبز من القمح الكامل مخلوطًا بنسب مدروسة منها، أو منتجات تعتمد عليها بصورة أكبر، بما يوسع أسواق المحاصيل المحلية ويقلل الحاجة إلى القمح ويزيد تنوع الغذاء.

وهذا المسار الموازي ليس مجرد فكرة نظرية؛ فقد شهد السودان بالفعل تجارب لإنتاج رغيف من الذرة خالصة أو مخلوطة بالقمح، ووصلت إحداها إلى منتج مقبول من حيث الشكل والطعم والانتفاخ باستخدام خبرات محلية وأجنبية وإضافات غذائية طبيعية. وقد لقيت التجربة قبولًا من جهات الدولة المختصة وأجهزة سيادية في مستويات رفيعة آنذاك، وصُنّع الرغيف بالفعل في مخابز الهيئة الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة، وحصل المنتج على شهادات من الجهات الرسمية المختصة. وقد كنت شخصيًا ممن تابعوا هذه التجربة منذ ولادتها، وعايشوا مراحل تطورها ونجاحها، حتى رأيتها تُقتل بعد أن أثبتت نجاحها، بدل أن تجد من يتبناها وينقلها إلى صناعة واسعة مستدامة.
إن العودة إلى خبز حبة القمح الكاملة ليست مشروعًا صحيًا منفصلًا عن أزمتنا الاقتصادية، بل يمكن أن تكون إحدى المعالجات البسيطة التي تتلاقى فيها الصحة والاقتصاد والأمن الغذائي: نستفيد من قدر أكبر من كل حبة قمح، ونرفع القيمة الغذائية للرغيف، ونشجع القمح المحلي حيث تثبت جدواه، ونخفض التكلفة والفاقد، ونقلل بقدر ما نستطيع حاجتنا إلى الاستيراد والنقد الأجنبي، ثم ندعم ذلك بالتوسع الموازي في الذرة والدخن وسائر حبوبنا المحلية.

والمطلوب أن تتبنى الدولة هذا الاتجاه، وأن تتعاون الجامعات ومراكز البحوث والمطاحن والمخابز لإنتاج رغيف حبة قمح كاملة طبيعي، جيد، مقبول ومستطاع التكلفة، وأن تتاح له فرصة حقيقية ليصبح خبزًا يوميًا واسع الانتشار، لا منتجًا خاصًا محدودًا مرتفع السعر.
ولعل الأزمة نفسها تفتح لنا بابًا لإصلاح عادة غذائية واقتصادية طال أمدها: فليس أشد الدقيق بياضًا أكثره قيمة، ولا أشد الخبز نعومة أكثره نفعًا. فلنعد إلى الحبة كما خلقها الله، ولنستخدم العلم والتقنية في تحسين إعدادها وتصنيعها، لا في تجريدها من خيرها؛ فنكسب صحة الإنسان، ونحسن استغلال غذائنا،

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى