
«إذا مات ذو علمٍ وتقوى
فقد ثُلِمَتْ من الإسلام ثُلمةُ
وموتُ الحاكمِ العدلِ المُولّى
بحكم الأرض منقصةٌ ونقمةُ
وموتُ فتىً كثيرِ الجودِ مَحْلٌ
فإن بقاءَه خِصْبٌ ونعمةُ
وموتُ العابدِ القوّامِ ليلاً
يناجي ربَّه في كل ظلمةِ
وموتُ الفارسِ الضرغامِ هدمٌ
فكم شهدت له بالنصر عزمةُ
فحسبُك خمسةٌ يُبكى عليهمُ
وباقي الناس تخفيفٌ ورحمةُ»
دخلنا إلى سجن النساء بأم درمان بصحبة الأخ العزيز جمال قاسم، وذلك بطلب ورجاء من المهندس عمر النمير.
كان طلبه بسيطًا في كلماته، عظيمًا في معناه وأثره: أن نعمل على إطلاق سراح كل امرأة سجنت بسبب ديون مالية في حقوق خاصة.
جلسنا مع إدارة السجن، وحددنا القائمة والتكاليف المطلوبة، وما هي إلا ساعات حتى وصلت التكلفة المالية كاملة، وتم إطلاق سراح السجينات اللاتي كانت تقف الديون حائلًا بينهن وبين الحرية.
لكن عمر النمير لم يكتفِ بذلك.
نظر إلى أوضاع السجن، وأمر بتحسين ظروف وجود السجينات، ودعم وجباتهن الغذائية طوال شهر رمضان المبارك.
كنا وقتها قد فرغنا من توزيع خمسة آلاف سلة غذائية للأسر المتعففة، شهد توزيعها السيد والي ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، الذي ما فتئ يشيد بالشاب عمر النمير، ذلك الرجل الذي كان يقود نار التكايا في أم درمان وبحري والخرطوم، وكانت يد السخاء عنده هي ذاتها يد العطاء.
وكان يناشدنا دائمًا ألا نكتب عن ذلك في الإعلام، وألا نقول كلمة عن أعماله.
ومع ذلك، كنا أحيانًا نخالف وصيته، ونسرب بعض أخباره هنا وهناك، لأن الخير الذي يفعله كان أكبر من أن يُخفى كله.
«وموتُ فتىً كثيرِ الجودِ مَحْلٌ
فإن بقاءَه خِصْبٌ ونعمةُ»
رحل عمر النمير، وله الرحمة والمغفرة والعتق من النار.
رحل، وربما لا يعرفه كثيرون ممن أحسن إليهم ومد لهم يد العون، ولا الذين أطعمهم من موائده، ولا حتى النساء اللاتي أطلق سراحهن من السجن.
كانت صدقاته خفية، لا يعلم عنها أحد.
كنا نحن، الذين كنا ننفذ بعض تلك الأعمال، نعرف شيئًا من ذلك العطاء الذي لم يكن يحب أن يُعلن.
جدد بناء وصيانة المساجد على نفقته الخاصة، وأقام الولائم، وأنفق بسخاء قلّ أن نجد له مثيلًا في زماننا هذا.
ذلك هو عمر النمير.
رجلٌ لم يكن يبحث عن كاميرا، ولا ينتظر تصفيقًا، ولا يطلب شكرًا.
كان يفعل الخير لأنه يحب الخير.
واليوم، فإن موته هو الخطب الجلل الذي نعيشه، وهو الحزن الذي يفيض في القلوب.
لا أجد كلمات الرثاء تفيه حقه، ولا أظن أن الحروف تستطيع أن تحمل حجم الفقد.
فإن عمر النمير، وإن غاب جسده، باقٍ بيننا بأثره الطيب، وروحه الشغوفة بفعل الخير، ويده المعطاءة، وسخائه الذي ما بعده سخاء.
هذا هو عمر النمير…
فيض الأحزان.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يعتقه من النار، وأن يكرم نزله ويوسع مدخله.
اللهم إنه عبدك، نزل بك، وأنت خير منزولٍ به.
اللهم أكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، واجعل ما قدم من خير وإحسان في ميزان حسناته، واجعل صدقاته الخفية نورًا له يوم يلقى وجهك الكريم.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
أبوسفيان عبد الكريم الشيخ
أم درمان





