د. امانى احمد خالد تكتب | درة زمن | بين الجار والجار

ورد في الحديث النبوي الشريف ما يشير إلى أن الجار الصالح من أسباب سعادة الإنسان، ومن أشهر ما ورد في ذلك قول النبي ﷺ:
«أربعٌ من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربعٌ من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق».رواه ابن حبان في صحيحه، وحسنه عدد من أهل العلم.
ولعلني اليوم أستحضر هذا الحديث وأنا أكتب عن جارةٍ رزقني الله بها، فكانت نموذجًا نادرًا للجار الصالح، وصورةً جميلة للأمانة والوفاء وحسن الخلق، ثم رحلت عن دنيانا بعد أن أنهكها الخوف وأثقل المرض جسدها، فنسأل الله أن يتولاها برحمته، وأن يجعل ما أصابها كفارةً ورفعةً لدرجاتها.
كانت الحرب قد ألقت بظلالها الثقيلة على الناس، ولم يكن الخوف يومها مجرد إحساس عابر، بل كان واقعًا يطرق
الأبواب ويهدد البيوت ويبدد الطمأنينة. وحين اشتد الخناق عليها، حملت بناتها ورحلت بهن إلى ولاية أخرى، بحثًا عن مكان أكثر أمنًا، لكن الخوف ظل يلاحقها حتى أصابها المرض، فتأثرت حبالها الصوتية، وأصيبت يدها اليمنى، وظلت تعاني حتى اختارها الله إلى جواره.
رحلت جارتنا، لكن مواقفها بقيت شاهدة على معدنها الأصيل.
وحين عادت إلى منزلها بعد الحرب، لم تكن مشغولة بما فقدته هي وحدها، ولا بما تركته الحرب من آثار ودمار، وإنما كان يشغلها أمر آخر قد يراه البعض صغيرًا، لكنه عند أهل الأمانة عظيم.
وجدت في منزلها كرسيًا لم يكن ملكًا لها.
كانت تستطيع أن تقول: وجدته في بيتي بعد الحرب، فهو الآن لي.
وكان يمكنها أن تتجاهل الأمر، خصوصًا في زمن اختلطت فيه الحقوق، وضاعت فيه الممتلكات، وأصبح كثير من الناس يبحثون عن أي شيء يعوضهم عما فقدوه.
لكنها لم تفعل.
كانت حالتها الصحية قد أثرت في قدرتها على الكلام، فأخذت تستخدم الإشارة، وتسأل عن صاحب الكرسي. كانت تريد أن تعيده إلى صاحبه.
تأملت هذا الموقف كثيرًا.
امرأة أنهكها المرض، وأفقدها الخوف بعض قدرتها على الكلام والحركة، لكنها لم يفقدها قدرتها على التمييز بين ما لها وما ليس لها.
كانت عاجزة عن الكلام، لكنها كانت قادرة على أن تقول بصدقها: هذا ليس لي.
وهنا توقفت طويلًا أمام معنى الجيرة.
فالجار ليس فقط من يسكن بجوارك، وليس الجار من يشاركك الحائط، وإنما الجار الحقيقي هو من يحفظ غيبتك، ويصون بيتك، ويحفظ مالك، ويخاف على حرمتك كما يخاف على حرمته.
ومن هنا تأتي المقارنة المؤلمة بين جارٍ مثل جارتي، وجارٍ آخر جعل من غياب جاره فرصة للاستيلاء على ما تركه وراءه.
في زمن الحرب، لم تكن المأساة في الرصاص وحده، ولا في البيوت التي أُغلقت أبوابها خوفًا، وإنما كانت المأساة الأكبر حين تحولت بعض الجيرة إلى خيانة، وحين أصبح بيت الجار مأمنًا لمن أراد نهبه، أو طريقًا لمن أراد أن يستحل حرماته.
وكم هو مؤلم أن يعود الإنسان إلى منزله بعد أن هدأت الحرب، فيبحث عن مقتنياته فلا يجدها، ثم يفاجأ بأن بعضها قد ظهر في بيت قريب أو عند جار يعرفه!
وحين تسأل عن الشيء المسروق، يأتي الجواب أحيانًا بكل برود: اشتريته.
وهنا يفرض السؤال نفسه:
كيف اشترى؟ ومن أين جاء بالمال؟ وكيف كان البيع والشراء يجريان تحت لهيب الرصاص والخوف والنزوح؟
هل كان الناس في تلك اللحظات يبحثون عن الأسواق والمساومات، أم كانوا يبحثون عن النجاة؟
إنها أسئلة لا تحتاج إلى إجابات كثيرة، بقدر ما تحتاج إلى ضمير حي.
لقد كشفت الحرب معادن الناس.
فمنهم من جعلها بابًا للنهب والاستغلال، ومنهم من جعلها امتحانًا للأمانة فنجح فيه.
ومنهم من رأى في غياب جاره فرصة للاستيلاء على ممتلكاته، ومنهم من رأى في غياب جاره أمانة يجب أن يحافظ عليها حتى يعود صاحبها.
شتان ما بين الجارين.
شتان بين جارٍ يرى في غياب جاره فرصة، وجارٍ يرى في غياب جاره أمانة.
شتان بين من دخل بيت جاره أو سمح بدخوله ليستباح، وبين من وقف يحرس ما ليس له.
وشتان بين من وجد شيئًا في بيته فاحتفظ به، وبين امرأة مريضة، أثقلها الخوف وأعجزها المرض عن الكلام، لكنها لم تستطع أن تحتفظ بكرسي ليس لها.
لقد رحلت جارتي، وربما لن تعرف أن قصة ذلك الكرسي ستظل في ذاكرتي شاهدًا على إنسانة انتصرت على الخوف والمرض، وتمسكت بالأمانة حتى آخر أيامها.
رحلت وهي تحمل من الألم ما يكفي لأن يجعل الإنسان يفكر في نفسه، لكنها كانت تفكر في حق غيرها.
وهذا هو الفرق بين من تربى على الأمانة، ومن استغل غياب الأمانة.
إن الجيرة ليست جدرانًا متلاصقة، ولا أبوابًا متقابلة، ولا مجرد سلام عابر في الطريق.
الجيرة أخلاق.
الجيرة عهد.
الجيرة أمانة.
والجار الصالح نعمة لا يعرف قيمتها إلا من فقدها.
لذلك، كلما تذكرت جارتي، لن أتذكر مرضها ولا خوفها ولا عجزها عن الكلام فقط، بل سأذكر يدها وهي تشير إلى ذلك الكرسي، وتسأل عن صاحبه.
وسيظل ذلك الموقف بالنسبة لي أبلغ من كثير من الكلمات.
رحم الله جارتي، وغفر لها، وجعل ما أصابها في الدنيا رفعةً لدرجاتها، وجبر الله كسر كل من فقد بيتًا أو مالًا أو جارًا أو عزيزًا في هذه الحرب.
ولعل أعظم ما تعلمناه من هذه الأيام أن الحرب قد تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع أن تهدم أخلاق إنسان تمسك بالأمانة.
وأن بعض الناس قد يفقدون بيوتهم وأموالهم في الحرب، لكنهم يحتفظون بشيء أثمن من كل ذلك:
يحتفظون بضميرهم.
وهذا، في زمنٍ كثرت فيه الخسارات، هو الانتصار الحقيقي.





