النفايات… بين الفوائد والبوائق (4 من 4): كيف نبني منظومة لا تهدر الثروة ولا تدفن السموم؟
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

رأينا في المقالات السابقة حجم مشكلة النفايات، وما يمكن استرداده منها من قيمة، وما قد ينشأ عن سوء إدارتها من أضرار وجرائم. ويبقى السؤال الأهم: كيف نبني منظومة تستخرج أقصى منفعة ممكنة، وتمنع أقصى ضرر ممكن؟
البداية ليست من المكب، بل قبل أن تتكون النفاية أصلًا؛ فالترتيب الأمثل هو منع ما يمكن من النفايات وتقليلها، وإطالة عمر السلع وإصلاحها وإعادة استخدامها، ثم تدوير الممكن، فاسترداد المواد والطاقة حيث يكون ذلك مجديًا وآمنًا، وأخيرًا معالجة المتبقي والتخلص منه بطريقة مأمونة. فالغاية ليست إتقان التخلص من النفايات، بل تقليل ما يحتاج أصلًا إلى التخلص منه.
والحلقة الحاسمة هي الفصل من المصدر. فخلط الطعام بالورق والبلاستيك والزجاج والبطاريات والأدوية والإلكترونيات يلوث مواد قابلة للاسترداد ويرفع تكلفة الفرز. أما فصل العضوي والجاف، ووضع النفايات الطبية والإلكترونية والكيميائية والخطرة في مسارات مستقلة، فيجعل معالجة كل نوع أكثر أمانًا وجدوى.
ثم يأتي الجمع المنتظم والفرز والمعالجة؛ فتعود المعادن والورق والزجاج وبعض البلاستيك إلى الصناعة، وتتحول بعض المخلفات العضوية إلى سماد أو غاز حيوي، وتسترد مواد من مخلفات البناء والإلكترونيات وفق الجدوى والمواصفات.
وليس كل شيء قابلًا للتدوير إلى ما لا نهاية؛ فبعض المواد تتدهور، وبعض عمليات التدوير قد لا تكون مجدية اقتصاديًا أو بيئيًا، وبعض النفايات الخطرة تحتاج إلى معالجة خاصة وعزل نهائي. ولذلك يبقى المدفن الصحي الهندسي ضروريًا للمتبقي، لكنه ينبغي أن يكون المحطة الأخيرة لا الوجهة الأولى لكل ما تجمعه الشاحنات.
أما الحرق مع استرداد الطاقة فقد يناسب بعض البيئات، لكنه يحتاج منشآت مكلفة وضبطًا صارمًا للانبعاثات والرماد، ولا ينبغي أن يزاحم تقليل النفايات وإعادة استخدامها وتدويرها.
ومن وسائل النظام الحديث كذلك ألا تتحمل الدولة والمجتمع وحدهما تكلفة السلع بعد انتهاء عمرها. فإذا استورد مئات التجار مثلًا الإطارات أو البطاريات أو الأجهزة، فلا يعني ذلك أن يتتبع كل تاجر الزبون ليستعيد منه ما باعه بعد سنوات؛ وإنما يمكن إلزام من يطرح هذه السلع في السوق، بحسب الكميات التي يطرحها، بالمساهمة في تمويل نظام منظم لجمع المستعمل ومعالجته. فتقوم جهة أو صندوق خاضع للرقابة بتمويل مراكز تستقبل الإطارات أو البطاريات أو الأجهزة القديمة من الورش والمتاجر والمواطنين، ثم تجمعها وتنقلها إلى منشآت التجديد أو التدوير أو المعالجة أو التخلص الآمن بحسب نوعها. وهكذا تدخل تكلفة نهاية عمر السلعة في نظامها الاقتصادي منذ البداية، بدل أن تترك مخلفاتها للبلديات والمجتمع وحدهما.
ويرتبط بذلك مبدأ «الملوث يدفع»؛ فلا ينبغي أن يتحمل المجتمع تكلفة التلوث الناتج عن نشاط يحقق أصحابه أرباحه، كما ينبغي أن تكون تكلفة المخالفة أعلى من تكلفة الالتزام، حتى لا يصبح التخلص غير القانوني هو الخيار الأرخص.
وهنا نصل إلى السودان. فلا نحتاج إلى البدء بأحدث محرقة أو أضخم مصنع، بل أولًا إلى أن نعرف: ماذا نرمي، وكم نرمي، وأين، وما الذي يمكن استرداده، وما الذي يمثل خطرًا؟
يمكن أن تبدأ المدن والمحليات بحصر النفايات وتركيبها، وتنظيم الجمع، وإغلاق المكبات العشوائية تدريجيًا، وإنشاء مواقع معالجة ومدافن صحية، وإدخال الفصل من المصدر على مراحل، بدءًا بالأسواق والمطاعم والمصانع والمؤسسات، ثم التوسع إلى الأحياء.
ويجب أن تحظى المستشفيات والمعامل والمراكز الصحية برقابة خاصة وقانون حاسم؛ لأن نفاياتها ليست كلها في درجة واحدة من الخطورة، ولا يجوز خلط المواد المعدية والأدوات الحادة وبقايا الدم والأنسجة والأدوية والمواد الكيميائية وغيرها بالنفايات العامة. والمطلوب أن يبدأ الفرز داخل المنشأة نفسها، في حاويات مخصصة، ثم تحدد اللوائح بوضوح كيفية التخزين والجمع والنقل والمعالجة والتخلص النهائي من كل فئة، مع تسجيل الكميات والجهات المسؤولة وفرض عقوبات رادعة عند المخالفة.
وفي السودان فرص واضحة في المخلفات العضوية والزراعية والحيوانية لإنتاج السماد والغاز الحيوي ومنتجات أخرى بحسب الجدوى، وفي تدوير الحديد والنحاس والألمنيوم والورق والزجاج وبعض البلاستيك، مع إنشاء مسارات منفصلة للبطاريات والزيوت والإطارات والإلكترونيات.
كما ينبغي دمج العاملين التقليديين في جمع وفرز المخلفات داخل المنظومة، بتدريبهم وتنظيمهم وتوفير وسائل الحماية وربطهم بمراكز الفرز والمصانع، بدل إهدار خبرتهم أو تركهم في نشاط غير منظم.
أما المخلفات الكيميائية والتعدينية والنفطية والصناعية الخطرة، فيجب فصلها وتتبعها منذ الإنتاج حتى المعالجة النهائية، مع رقابة صارمة على الحدود والموانئ، وسجل يحدد المنتج والكمية والناقل والمصير.
ويمكن للدولة أن تجذب الاستثمار إلى القطاع من خلال أراضٍ صناعية مخططة، وتراخيص واضحة، وحوافز مدروسة، وتشجيع المنتجات المعاد تدويرها المستوفية للمواصفات، من غير أن تتحول بالضرورة إلى ممول لكل مشروع.
لكن نجاح هذه الحلول جميعًا واستدامتها يظلان مرتبطين بإصلاح البيئة الكلية؛ فلا مصانع ناجحة بلا كهرباء ونقل وتمويل وأسواق، ولا بلديات فاعلة بلا إدارة وموارد، ولا استثمار مستقر بلا قانون واضح، ولا رقابة بلا مختبرات وصلاحيات ومحاسبة. وحتى الرقمنة والذكاء الاصطناعي، بما يمكن أن يقدماه من تتبع للشحنات، وضبط للبيانات، وتحسين لمسارات الجمع والفرز، لا يعملان في فراغ؛ بل يحتاجان إلى كهرباء واتصالات مستقرة، وبيانات دقيقة، وكوادر مؤهلة، ومؤسسات قادرة على التشغيل والمتابعة والصيانة.
وليس معنى ذلك انتظار اكتمال الإصلاح الشامل؛ بل أن نبدأ بما نستطيع في قطاع النفايات، بالتوازي مع إصلاح الإدارة والاقتصاد والبنية الأساسية والقانون، لأن الإصلاح الجزئي ينجح ويستدام حين تسنده بيئة كلية سليمة، كما أن نجاح القطاعات نفسها يسهم في بناء تلك البيئة.
وعندها يمكن أن يتحول جانب مما ننفق اليوم على التخلص منه إلى مواد خام وصناعات ووظائف وقيمة اقتصادية، مع مدن أنظف وتلوث أقل وضغط أخف على الموارد والمكبات. فـأفضل نفاية هي التي لم ننتجها، وأفضل ما نفعله بما لا نستطيع تجنبه أن نبقي مواده في دورة الاقتصاد أطول ما يمكن، وأسوأ ما نفعله أن نهدر النافع منه ونترك الخطر منه يسمم الأرض والإنسان.
فالنفايات ليست كلها ثروة، وليست كلها شرًا؛ وبين الفائدة والبائقة تقف الإدارة والعلم والقانون والبيئة العامة التي تسندها، وهي التي تحدد ما إذا كان ما نلقيه اليوم سيعود غدًا إلى الاقتصاد قيمة، أم يبقى تلوثًا وفاتورة تدفعها الأجيال القادمة.





