
في مراحل التحول الكبرى، لا تتغير المدن وحدها، بل تتغير معها الأدوات التي تدير نموها.
والحرب التي مر بها السودان لم تغيّر شكل المدن وتوزيع السكان والأنشطة الاقتصادية فحسب، وإنما أوجدت واقعًا عمرانيًا جديدًا يفرض على مؤسسات التخطيط مراجعة الأطر القانونية التي تحكم عملية التنمية وإدارة العمران.
ومن هنا تبدو مراجعة قانون التخطيط العمراني قوميا مسألة طبيعية، بل ضرورة مؤسسية، في سياق الانتقال من الحرب إلى التعافي وإعادة الإعمار.
لكن السؤال الأهم ليس: هل نحتاج إلى تعديل القانون؟
بل: كيف نعدّل القانون؟
الواقع الجديد يحتاج إلى قانون أكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات التعافي وإعادة الإعمار، وإدارة المخاطر، وحماية الموارد، وتنظيم العلاقة بين مستويات الحكم، وتطوير أدوات التخطيط بما يتناسب مع التحولات الديموغرافية والاقتصادية والعمرانية التي فرضتها الحرب.
وفي الوقت نفسه، فإن أهمية القانون لا تأتي من كونه نصًا تشريعيًا فقط، وإنما من كونه الإطار الذي تتحرك داخله منظومة التخطيط العمراني بأكملها.
ولهذا فإن تحديث القانون ينبغي أن ينطلق من دراسة دقيقة لما تغير في الواقع، وما أثبت نجاحه في التجربة السابقة، وما أثبتت الممارسة أنه يحتاج إلى إصلاح.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين إعداد مسودة أولية وبين اعتماد صيغة نهائية للقانون.
إعداد مسودة بواسطة مجموعة من المختصين يمثل جهدًا مهنيًا مقدرًا، لكن قيمة أي مسودة لا تكتمل بمجرد إعدادها، وإنما بمرورها عبر مراحل المراجعة الفنية والمؤسسية والتشاور التي تضمن اختبارها من زوايا متعددة قبل اعتمادها.
وهذا يقودنا إلى نقطة أوسع تتعلق بمنهج صناعة التشريع التخطيطي نفسه.
فقانون التخطيط العمراني لا ينبغي أن يُبنى على الآراء الفردية، مهما كانت خبرة أصحابها، ولا على نقل تجارب دول أخرى بصورة مباشرة. وإنما ينبغي أن يستند إلى قراءة للواقع السوداني، ودراسة للتجربة التخطيطية السابقة، وتحليل للمشكلات التي أفرزتها الممارسة، واستيعاب للمتغيرات التي فرضتها مرحلة ما بعد الحرب.
كما أن المشاركة المهنية لا تعني بالضرورة أن يشارك الجميع في صياغة النص القانوني مادةً مادة.
لكنها تعني أن تكون هناك مساحة حقيقية للمراجعة والنقاش، يشارك فيها المخططون والمهندسون والأكاديميون والجهات الحكومية المختصة والقطاع المهني والمجتمع، كلٌ من موقعه وخبرته.
فالخبرة القانونية وحدها لا تكفي لصناعة قانون تخطيط، كما أن الخبرة التخطيطية وحدها لا تكفي لصياغة تشريع قابل للتطبيق.
القانون الناجح هو الذي يلتقي فيه الاثنان.
وهنا تبرز أيضًا خصوصية القانون للتخطيط العمراني.
فالسودان ليس وحدة عمرانية متجانسة. تختلف ولاياته في طبيعتها الجغرافية، وتركيبها السكاني، وأنماط الاستقرار، والموارد، والضغوط العمرانية، ومستويات التنمية، والتحديات البيئية والأمنية.
لذلك فإن وظيفة القانون قوميا ينبغي أن تركز على وضع السياسات والمبادئ والأطر العامة التي تنظم التخطيط العمراني على المستوى الوطني، وتحدد الاختصاصات والعلاقات بين المستويات المختلفة، وتضع المعايير التي تضمن وحدة الاتجاه التخطيطي للدولة.
أما التفاصيل التي ترتبط بخصوصية كل ولاية وبيئتها العمرانية، فمن الطبيعي أن تجد مجالها في التشريعات واللوائح والأدوات التخطيطية الولائية، ضمن الإطار القومي العام.
وهذه النقطة تصبح أكثر أهمية في مرحلة إعادة الإعمار.
فالمرحلة المقبلة لن تحتاج فقط إلى قوانين تنظم التوسع العمراني التقليدي، وإنما إلى إطار قانوني قادر على التعامل مع قضايا جديدة أو متزايدة الأهمية، مثل إعادة توطين السكان، وإدارة مخاطر الكوارث، والتخطيط للمناطق المتضررة، وإدارة الأصول والأراضي، وحماية البنية التحتية، واستخدام نظم المعلومات الجغرافية والبيانات العمرانية، وربط التخطيط بالاستثمار والخدمات والتنمية الاقتصادية.
كما أن إعادة الإعمار تفرض علينا إعادة النظر في العلاقة بين التخطيط والتنفيذ.
فقد يكون لدينا مخطط جيد، لكن دون أدوات تنفيذ واضحة يصبح المخطط مجرد وثيقة.
وقد يكون لدينا قانون متقدم، لكن دون مؤسسات قادرة على تطبيقه يصبح القانون نفسه محدود الأثر.
ولهذا فإن تحديث قانون التخطيط ينبغي أن ينظر إلى المنظومة كاملة:
التشريع، والمؤسسة، والمخطط، والبيانات، والتمويل، والتنفيذ، والرقابة.
ومن المهم كذلك ألا تتحول مراجعة القانون إلى عملية معزولة عن الدروس التي أفرزتها الحرب.
لقد كشفت الحرب هشاشة بعض أنماط النمو العمراني، وأظهرت أهمية المرونة، ووضعت مسألة توزيع الخدمات والأنشطة والسكان في مقدمة قضايا التخطيط.
وفي ولاية الخرطوم على وجه الخصوص، أعادت الحرب توزيع النشاط الحضري بصورة قسرية بين الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري. وهذا النوع من التحولات لا يمكن أن يبقى خارج منظومة التخطيط والتشريع التي ستدير مرحلة التعافي القادمة.
فالمدينة التي نعيد بناءها بعد الحرب ليست بالضرورة المدينة نفسها التي كانت قائمة قبلها.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة التخطيط.
وظيفة التخطيط ليست إعادة إنتاج الماضي بصورة آلية، وإنما استخلاص ما يستحق الحفاظ عليه، ومعالجة ما أثبت الواقع قصوره، وبناء إطار أفضل للمستقبل.
لذلك فإن تحديث قانون التخطيط العمراني على المستوى القومي ينبغي أن يكون فرصة لبناء معرفة مؤسسية جديدة، لا مجرد تعديل مجموعة من المواد.
والخطوة العملية في تقديري تبدأ من إتاحة مشروع التعديلات ومذكرته التفسيرية أمام المختصين، ثم إخضاعه لمراجعة مهنية منظمة، بحيث يكون النقاش حول النص ومبرراته وآثاره المتوقعة، لا حول الأشخاص الذين شاركوا في إعداده.
كما ينبغي أن تكون كل مادة مقترحة مرتبطة بمشكلة واضحة أو مستجد حقيقي، وأن يكون لكل تعديل مبرره التخطيطي والقانوني، حتى لا يتحول التحديث إلى مجرد زيادة في النصوص.
فالقاعدة البسيطة في التشريع التخطيطي هي:
لا نعدل القانون لأن الزمن تغير فقط، بل نعدله لأن الواقع أثبت أن هناك ما يحتاج إلى تغيير.
وفي مرحلة إعادة الإعمار، نحتاج إلى قانون يفتح المجال أمام التخطيط المهني، ويعزز التنسيق بين مستويات الدولة، ويحمي المصلحة العامة، ويمنح الولايات القدرة على معالجة خصوصياتها، وفي الوقت نفسه يحافظ على وجود رؤية قومية متماسكة للعمران في السودان.
إن مراجعة قانون التخطيط العمراني قوميا يمكن أن تكون واحدة من أهم فرص الإصلاح المؤسسي التي أتاحتها مرحلة ما بعد الحرب.
لكن نجاحها لن يقاس بعدد المواد التي جرى تعديلها، وإنما بقدرة القانون الجديد على إنتاج تخطيط أفضل، وقرارات أكثر وضوحًا، ومؤسسات أكثر كفاءة، ومدن أكثر قدرة على الصمود والنمو.
فالخرطوم التي تحتاج اليوم إلى إعادة بناء بنيتها العمرانية تحتاج في الوقت نفسه إلى إعادة بناء أدوات التخطيط التي ستقود مستقبلها.
إعادة الإعمار تبدأ من الأرض، لكنها لا تنجح دون إطار مؤسسي يعرف كيف يديرها.
ومستقبل العمران في السودان لن تصنعه الخرائط وحدها، ولا القوانين وحدها، وإنما العلاقة الصحيحة بين المعرفة والتشريع والتخطيط والتنفيذ.
م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري ومخطط عمراني
باحث في قضايا التعافي الحضري وإعادة الإعمار





