مقالات

العبرة بما بقي لا بما مضى

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

يمر بالإنسان وقت يلتفت فيه إلى ما مضى من عمره، فيرى أيامًا لم يحسن استثمارها، وفرصًا فوّتها، ومواقف يتمنى لو أحسن فيها الاختيار، وعلاقات وخصومات استنزفت من وقته وروحه أكثر مما تستحق. وقد يشتد عليه الندم حتى يخيّل إليه أن ما فات لا يُستدرك، وأن ما بقي أقصر من أن يصلح ما أفسدته سنوات.
وهنا الفرق بين ندم يوقظ القلب وندم يشل الإرادة؛ فالأول يدفع إلى التوبة والمراجعة والإصلاح، أما الثاني فيحوّل خطأ الأمس إلى خسارة جديدة اليوم. والإسلام لم يجعل الماضي سجنًا للإنسان، بل فتح باب العودة ما دامت الحياة.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. فالخطاب لمن أسرفوا على أنفسهم، ومع ذلك نهاهم الله عن القنوط؛ لأن رحمته أوسع من ذنوبهم.

وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾. فالتوبة ليست مجرد محو للماضي، وإنما يقظة للقلب، واعتراف بالتقصير، وانتقال من الغفلة إلى الإصلاح.
وقال النبي ﷺ: «لَلَّهُ أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه». فباب الرجوع لا يضيق بكثرة الزلات ولا بطول الغياب، ما صدق العبد في عودته.
بل يبلغ كرم الله أبعد من مجرد المغفرة، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فقد تتحول صفحات كانت موضع حسرة إلى أبواب للأجر، إذا أورثت توبة صادقة وعملًا صالحًا.
وفي الحديث الصحيح أن رجلًا قتل مئة نفس، ثم سأل عن التوبة، فدُل على طريقها، وخرج إلى أرض الصالحين، فأدركه الموت في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي القصة درس بليغ: أن الإنسان لا يُختصر في أسوأ ما فعل، وأن العبرة ليست من أين بدأ، وإنما إلى أين اتجه، وكيف ختم طريقه.

فالماضي قد انقضى ولا يملك الإنسان تغييره، أما ما بقي فبين يديه. ولهذا قال النبي ﷺ: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله». فالعبرة ليست بكثرة السنين، وإنما بما يُملأ به ما بقي منها.
وكم من إنسان لم يعرف وجهته إلا متأخرًا، ثم بارك الله له فيما بقي من عمره. فليس المهم متى بدأت فحسب، وإنما صدق البداية وصحة الاتجاه والثبات عليه. والأصل في السير إلى الله أن يكون بالقلوب لا بالقوالب، وبصدق التوجه لا بمجرد حركة الأقدام؛ فرب خطوة متأخرة في الطريق الصحيح خير من مسير طويل في الطريق الخطأ.
وقد تتحول التجارب المؤلمة نفسها إلى أبواب للنضج؛ فمن عرف مرارة تضييع الوقت صار أحرص عليه، ومن أرهقته الخصومات عرف قيمة الصفح، ومن ذاق ألم القطيعة صار أرفق بالناس، ومن أذلته المعصية عرف فقره إلى ربه. وهكذا قد تصبح العثرة درسًا، والخسارة وعيًا، والألم بدايةً للإصلاح.

لكن الرجاء لا يلغي المسؤولية؛ فالتوبة ليست إحساسًا داخليًا فحسب. من ظلم فليتحلل، ومن أخذ حقًا فليرده، ومن قطع رحمًا فليصلها، ومن أفسد فليصلح. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾. فالإصلاح جزء من التوبة حيث يتعلق الأمر بحقوق الناس وآثار الخطأ.
وفي المقابل، لا ينبغي لمن تاب وأصلح ما استطاع أن يقضي بقية حياته في محاكمة نفسه على الماضي؛ فالحسرة التي لا تنتج عملًا تستنزف الحاضر ولا تعيد الفائت. قال النبي ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»، ونهى عن الاسترسال في «لو» التي تفتح باب الحسرة فيما لا يمكن تغييره.
إن قيمة ما بقي من العمر لا تُقاس بعدد أيامه فقط، بل بالبركة التي يضعها الله فيه. وقد يفتح للإنسان في أعوام قليلة من الخير ما لم يفتح له في عقود، ولذلك قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». فالإصلاح لا يحتاج دائمًا إلى بدايات صاخبة؛ قد يبدأ بذنب يُترك، وحق يُرد، ورحم تُوصل، وعلم يُتعلم، وصلاة تُحسن، وعمل نافع يداوم عليه صاحبه.
ولا تحتقر البداية الصغيرة؛ فالأعمال العظيمة كثيرًا ما تبدأ بقرار لا يراه أحد، ورب دمعة صادقة غيّرت قلبًا، ورب دعوة في جوف الليل فتحت بابًا، ورب عمل خفي كان مبدأ حياة جديدة.

قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾، وقال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾. فما دام في العمر يوم، ففيه مجال للتوبة والإصلاح والإحسان.
فلا تجعل ما مضى يسرق ما بقي، ولا تجعل خطأ الأمس عذرًا لضياع اليوم. ازرع ولو تأخرت، وتعلم ولو كبرت، واعتذر ولو طال الصمت، ورد الحقوق، وأصلح ما استطعت، وابدأ ولو ظننت أن وقت البداية قد فات.
فلعل خير العمر لم يمض بعد، ولعل ما بقي منه يزن عند الله أكثر مما مضى كله.
والسؤال الأهم ليس: كم ضاع من العمر؟ بل: ماذا سنصنع بما بقي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى