عندما تختل البيئة العامة… سكك حديد الجزيرة من شريان للإنتاج إلى خردة (1 من 20)
بهدوء وتدبر |محمد عثمان الشيخ النبوي

حين نتحدث عن اختلال البيئة العامة، قد يبدو التعبير نظريًا، لكن معناه يتضح حين ننظر إلى ما حدث لبعض الأصول المنتجة في السودان. وسكك حديد مشروع الجزيرة مثال بالغ الدلالة.
أنشئت شبكة سكة حديد الجزيرة الخفيفة عام 1919 لخدمة المشروع، وكانت مهمتها نقل القطن من مراكزج التجميع إلى المحالج، وإيصال المدخلات الزراعية، كالبذور والأسمدة ومبيدات الأعشاب والجوالات، إلى مناطق الإنتاج. ومع اتساع المشروع توسعت الشبكة حتى أصبحت، في أواخر التسعينيات، تضم نحو 900 كيلومتر من الخطوط الضيقة التي تصل إلى 119 مركزًا لتجميع القطن وتغطي نحو 75% من مساحة المشروع، إضافة إلى نحو 437 كيلومترًا من الحلقات والتفريعات وخطوط المحطات والساحات والمحالج. وهذه الأرقام واردة صراحة في تقرير للبنك الدولي عن مشروع الجزيرة.
ولم تكن السكة مجرد قضبان وقاطرات وعربات، بل جزءًا من منظومة الإنتاج. ففي موسم 1998/1999 أدت أعمال نقل من المنتجات الزراعية، بما يمثل نحو 30% من الطلب على النقل في المشروع، بينما نقلت الشاحنات الخاصة النسبة الباقية.
وقد عانت الشبكة مشكلات في الصيانة وحالة الخطوط والمعدات. ولهذا شمل مشروع تأهيل الجزيرة في الثمانينيات تحسين قدرتها التشغيلية، بما في ذلك استبدال نحو 38 كيلومترًا من القضبان، وتأهيل أسطول العربات، وإعادة تزويد عشر قاطرات بمحركات.
لكن التراجع استمر. وبموجب قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005 كان من المقرر أن تستمر سكة حديد الجزيرة، إلى جانب بعض الوحدات الخدمية الأخرى، في العمل إلى حين خصخصتها. وتشير دراسة لاحقة للبنك الدولي إلى أن أصول السكة بيعت وتم التخلص منها في يوليو 2009.
وهنا تكمن القضية.
فالأصل العام لا تقاس قيمته بوزن الحديد الذي يحتويه، وإنما بالمنفعة التي يؤديها، وبكلفة إصلاحه وتحديثه مقارنة بكلفة استبداله والبدائل المتاحة. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل كل سكة قديمة يجب أن تبقى؟ بل: هل جرى تقييم الأصل وبدائله فنيًا واقتصاديًا قبل الاستغناء عنه؟
ومشروع الجزيرة نفسه ليس أرضًا وماءً فحسب، بل منظومة مترابطة من الري والإنتاج والنقل والتجميع والمحالج والتخزين والتمويل والتسويق. فإذا ضعفت إحدى حلقاتها ارتفعت الكلفة على بقية المنظومة، وإذا تداعت عدة حلقات أصبح الخلل في البيئة التي يعمل فيها المشروع كله.
ولهذا فإن إعادة بناء المشروع اليوم لا تعني بالضرورة إعادة سكة الحديد القديمة كما كانت، وإنما دراسة نظام النقل الأنسب لواقعه الحالي، بما في ذلك النقل الحديدي حيث تثبت جدواه، وربطه بالطرق ومراكز الإنتاج والتجميع والتخزين والتصنيع.
والدرس الأهم من سكك حديد الجزيرة ليس أن كل أصل قديم يجب الاحتفاظ به، ولا أن كل أصل متوقف ينبغي التخلص منه؛ وإنما ألا يُترك الأصل المنتج حتى يفقد وظيفته، وألا يُتخذ قرار بشأنه قبل معرفة قيمته وكلفة إصلاحه وجدوى بدائله.
وهذا لا يتحقق إلا في بيئة عامة سليمة: قانون نافذ، وحوكمة تحمي المال العام، وإدارة كفؤة، ومعلومات دقيقة عن أصول الدولة، وقرارات تقوم على الدراسة والمصلحة الاقتصادية.
وهكذا فإن قصة سكك حديد الجزيرة ليست مجرد قصة قطارات توقفت وقضبان بيعت، بل قصة أصل كان يؤدي وظيفة مهمة داخل منظومة إنتاج كبرى، ثم انتهى به الأمر إلى التصفية.
فعندما تختل البيئة العامة، قد يتحول الأصل المنتج إلى خردة؛ وحين تستقيم، يصبح السؤال قبل التصرف فيه: أيهما أجدى، أن نتخلى عنه أم نعيده إلى الإنتاج؟





