إجازة الاستراتيجية الوطنية لتعافي النظام الصحي.. حين تتحول الدولة إلى غرفة إنعاش وطنية
سعاد سلامة تكتب | همس البوادي

ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح، فبعضها يبدأ بعد أن تصمت البنادق. وحين تنتهي الحروب وتخفت أصوات المدافع، تقف الدول أمام سؤال مصيري لا يحتمل التأجيل: كيف نحمي ما تبقى من حياة الناس؟ وكيف نعيد بناء الإنسان الذي أنهكته سنوات الخوف والنزوح والمرض؟ ومن هنا جاءت إجازة الاستراتيجية الوطنية لتعافي النظام
الصحي للفترة (2026 ـ 2030) كواحدة من أهم القرارات الوطنية في مرحلة ما بعد الحرب، لأنها لا تتحدث عن إصلاح مؤسسة حكومية فحسب، بل عن استعادة حق السودانيين في الحياة الكريمة والعلاج والرعاية الصحية الآمنة.
في مشهد عكس حجم التحديات والطموحات التي تواجه القطاع الصحي السوداني، شهدت وزارة الصحة الاتحادية إجازة الاستراتيجية الوطنية لتعافي النظام الصحي برعاية ومتابعة مباشرة من وزير الصحة الاتحادية الدكتور هيثم محمد إبراهيم، في خطوة تؤسس لمرحلة جديدة من إعادة بناء النظام الصحي بعد ما خلفته الحرب من أضرار واسعة على البنية الصحية والخدمات العلاجية في البلاد.
في الدول التي تخرج من أتون الصراعات لا يكون السؤال الأول كم جسراً سنبني أو كم طريقاً سنعبد، بل كيف ننقذ الأرواح ونحفظ كرامة الإنسان. ولهذا لم تكن إجازة هذه الاستراتيجية حدثاً إدارياً عابراً أو مناسبة بروتوكولية تنتهي بانتهاء الكلمات والصور التذكارية، بل بدت أقرب إلى إعلان وطني بأن الدولة السودانية قررت أن تجعل الإنسان نقطة الانطلاق في مشروع التعافي وإعادة البناء.
الحرب حين تضرب الأوطان لا تهدم المباني وحدها، وإنما تصيب منظومات الحياة كلها في مقتل. والمستشفيات التي أغلقت أبوابها، والمراكز الصحية التي توقفت عن العمل، والكوادر الطبية التي شردتها ظروف الحرب، ليست مجرد أرقام في تقارير رسمية، وإنما فصول موجعة من معاناة عاشها ملايين السودانيين وهم يبحثون عن دواء أو طبيب أو سرير علاج. ومن هنا تبرز أهمية هذه الاستراتيجية التي
تقودها وزارة الصحة الاتحادية بقيادة الدكتور هيثم محمد إبراهيم، فهي ليست خطة لإصلاح قطاع خدمي فحسب، بل مشروع لإعادة بناء أحد أهم أعمدة الدولة الحديثة.
فالصحة ليست مسؤولية وزارة بعينها، وليست مهمة الأطباء وحدهم، وإنما منظومة متكاملة تبدأ من المياه النظيفة والصرف الصحي والتغذية السليمة، وتمر بالتعليم والبيئة والاستقرار الاجتماعي، وتنتهي بغرفة العمليات ومراكز العلاج المتخصصة.
ولعل الرسالة الأبرز التي حملتها مراسم الإجازة تمثلت في الحضور الحكومي الواسع الذي أكد أن ملف الصحة أصبح قضية دولة كاملة لا قضية وزارة واحدة. فعندما تتعهد وزارة الحكم الاتحادي والتنمية الريفية بدعم الخطة، وتلتزم وزارة المالية بإصلاح التمويل الصحي، وتعلن وزارة الاتصالات إدخال أكثر من مائة وثلاثين خدمة إلكترونية في القطاع الصحي، فإن ذلك يعكس إرادة سياسية حقيقية لوضع الصحة في قلب مشروع إعادة الإعمار الوطني.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في
تجاوز آثار الحروب والكوارث هي الدول التي أعادت بناء الإنسان قبل الحجر. فالطرق يمكن أن تنتظر، والجسور يمكن أن تؤجل، أما حياة الناس فلا تقبل التأجيل. ولذلك فإن التعافي الصحي ليس ملفاً خدمياً فحسب، بل قضية أمن قومي واستقرار وطني، لأن الأوبئة لا تعترف بالحدود، والانهيار الصحي قد يهزم دولة كاملة حتى وإن انتصرت في ميادين القتال.
ومن أكثر الجوانب التي تبعث على التفاؤل في هذه الاستراتيجية تركيزها على الولايات الأكثر تأثراً بالحرب، وفي مقدمتها ولايات دارفور وكردفان. فهذه المناطق ظلت لعقود طويلة تواجه تحديات الخدمات الأساسية، ثم جاءت الحرب لتضاعف حجم المعاناة. ولذلك فإن أي مشروع وطني للتعافي لا يضع هذه الولايات في مقدمة أولوياته سيظل مشروعاً ناقصاً مهما بلغت دقة أهدافه. فالعدالة الصحية ليست شعاراً سياسياً، وإنما حق أصيل من حقوق المواطنة.
كما أن التوجه نحو التحول الرقمي في القطاع الصحي يمثل نقلة مهمة نحو المستقبل. فالعالم اليوم يبني أنظمته الصحية على البيانات والتقنيات الحديثة، ولم يعد مقبولاً أن يبقى المواطن رهينة الإجراءات الورقية المعقدة والبطء الإداري. إن الهوية الصحية الرقمية والخدمات الإلكترونية الحديثة ليست رفاهية تقنية، بل أدوات حقيقية لتحسين الخدمة وتعزيز الشفافية وضمان وصول الموارد إلى مستحقيها.
غير أن السودان لم يكن يوماً فقيراً في الخطط والاستراتيجيات، وإنما ظل يعاني من فجوة التنفيذ. فالوثائق لا تشفي المرضى، والاستراتيجيات لا تبني المستشفيات، والتصريحات لا توفر الدواء. ولذلك فإن التحدي الحقيقي يبدأ الآن بعد إجازة الخطة، لأن المواطن لا ينتظر مزيداً من الأوراق، بل ينتظر نتائج ملموسة يراها في المستشفيات والمراكز الصحية والخدمات العلاجية.
إن النجاح الحقيقي لهذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد الاجتماعات أو الورش أو التقارير، وإنما بعدد الأرواح التي ستنقذ، وعدد الأطفال الذين سيحصلون على التطعيمات، وعدد الأمهات اللاتي سيجدن رعاية صحية آمنة، وعدد القرى التي ستعود إليها الخدمات الصحية بعد سنوات الانقطاع.
كما أن تدشين منصة معدات سلسلة التبريد لبرنامج التحصين الموسع في ختام الفعالية يحمل رسالة واضحة مفادها أن الطريق الصحيح يبدأ بالفعل لا بالوعود. فالأطفال لا ينتظرون اكتمال الخطط، والأمراض لا تمنح الحكومات فرصة إضافية، والزمن في القطاع الصحي يُقاس بالأرواح.
واليوم يقف السودان أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء نظام صحي أكثر عدالة وكفاءة ومرونة، واستعادة ثقة المواطن في مؤسسات دولته. لكن هذه الفرصة لن تنجح بالشعارات، وإنما بالعمل الجاد والمتابعة الدقيقة والإرادة السياسية التي تضع صحة الإنسان فوق كل اعتبار.
فاصلة
الأوطان التي نهضت من تحت الركام لم تبدأ نهضتها من الأبراج العالية ولا من الطرق السريعة، بل بدأت من الإنسان. والإنسان السوداني الذي صبر على ويلات الحرب يستحق اليوم أن يرى ثمار السلام في مستشفى يعمل، ودواء متوفر، وخدمة تحفظ كرامته وحقه في الحياة. ولذلك فإن إجازة الاستراتيجية الوطنية لتعافي النظام الصحي ليست نهاية الطريق، وإنما بداية معركة وطنية جديدة عنوانها بناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ بالصحة، لأن الصحة أولاً، ولأن الوطن لا ينهض إلا بأبنائه الأحياء المعافين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا.





