
يتجه السودان إلى إعادة إحياء قطاع النقل النهري باعتباره أحد أهم محركات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، بعد أن اختتمت ورشة “النقل النهري الآمن والمستدام” أعمالها بإجازة عشر توصيات استراتيجية تستهدف تحديث القطاع، والتحول الرقمي، وجذب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، بما يعيد للنقل النهري دوره في دعم التجارة وربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق.

وشهدت الورشة، التي نظمتها الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري بالتعاون مع وزارة البنية التحتية والنقل على مدى يومي 28 و29 يوليو بالخرطوم، مشاركة مسؤولين وخبراء من السودان ومصر ومؤسسات العمل العربي المشترك، فيما ناقش المشاركون مستقبل النقل النهري وآفاق مساهمته في التنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي.

وأجازت اللجنة الفنية للورشة عشر توصيات رئيسية، أبرزها اعتماد مشروع تطوير منظومة النقل النهري وإنشاء قاعدة البيانات النهرية الرقمية مشروعاً وطنياً استراتيجياً، والتوسع في تطبيق التحول الرقمي باستخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، وأنظمة تتبع الوحدات النهرية والخدمات الإلكترونية، بما يسهم في رفع كفاءة الإدارة وتحسين السلامة الملاحية.

كما أوصت الورشة بتحديث التشريعات المنظمة لقطاع النقل النهري، وتوحيد جهة الإشراف، وتعزيز معايير السلامة وحماية البيئة، إلى جانب تأهيل الكوادر الوطنية عبر برامج تدريبية متخصصة، والاستفادة من خبرات الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري في بناء القدرات.
ودعت التوصيات إلى تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص للاستثمار في الموانئ والمراسي والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، والعمل على تحقيق التكامل بين النقل النهري وبقية أنماط النقل وربطه بمحور فيكتوريا – الإسكندرية، بما يدعم حركة التجارة الإقليمية والدولية ويعزز موقع السودان اللوجستي.

وفي ورقة علمية بعنوان “تنمية النقل النهري في السودان ودوره في النهضة الاقتصادية في الوطن العربي”، أكد مدير الملاحة النهرية، الدكتور ياسر محمد مادبو، أن السودان يمتلك مقومات طبيعية وجغرافية تؤهله ليكون محوراً رئيسياً للنقل النهري في المنطقة، مبيناً أن استغلال هذه الإمكانات يتطلب تطوير البنية التحتية، وتحديث الأسطول النهري، وإنشاء منظومة لوجستية متكاملة تربط النقل النهري بالطرق والسكك الحديدية والموانئ.
وكشف مادبو عن مقترح لإنشاء معهد متخصص لتدريب النقل النهري بمدينة كوستي بتكلفة تقدر بمليوني دولار، بهدف إعداد كوادر مؤهلة لإدارة وتشغيل القطاع وفق المعايير الدولية، مشيراً إلى أن التدريب يمثل أحد أهم عناصر نجاح مشروعات النقل النهري.
واستعرض عدداً من الممرات الملاحية المقترحة، من بينها الخط الممتد من كوسي إلى الحدود مع دولة جنوب السودان، والخط الملاحي على النيل الأزرق حتى الحدود السودانية الإثيوبية بطول يقارب 960 كيلومتراً، إضافة إلى الخط الملاحي المؤدي إلى منطقة الفشقة بولاية القضارف، موضحاً أن هذه المشروعات يمكن أن تحدث نقلة كبيرة في حركة النقل والتجارة حال توفير التمويل اللازم.

وأشار إلى أن القطاع يواجه تحديات متعددة، أبرزها التغيرات المناخية وتأثيرها على مناسيب المياه، وتأثيرات سد النهضة، وضعف البنية التحتية، والحاجة إلى تحديث الأسطول النهري وإدخال التقنيات الحديثة في إدارة الملاحة.
ودعا مدير الملاحة النهرية إلى توسيع الاستثمارات العربية في القطاع، وإنشاء شبكة لوجستية متكاملة، وتسريع تنفيذ مركز تدريب النقل النهري بمدينة كوسي، مؤكداً أن الدراسات التي أعدتها الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري وضعت حلولاً عملية قابلة للتنفيذ، وأن نجاح هذه المشروعات يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمستثمرين المحليين والعرب والأجانب.
واختتمت الورشة أعمالها بالتأكيد على أن تطوير النقل النهري يمثل ركيزة أساسية لخفض تكاليف النقل، وتعزيز الأمن الغذائي العربي، ودعم التجارة، وتحقيق التنمية المستدامة، داعية إلى تحويل التوصيات إلى مشروعات تنفيذية تعيد للسودان مكانته بوصفه مركزاً لوجستياً إقليمياً، مستفيداً من موقعه الجغرافي وشبكة أنهاره الممتدة



