
من أعظم ما تحتاجه بلادنا اليوم أن نعيد النظر في معنى السكن نفسه؛ فلا يبقى البيت مجرد جدران تؤوي الأسرة، ولا مجرد مكان للاستهلاك والانتظار، بل يمكن أن يتحول، متى أُحسن استغلاله، إلى وحدة إنتاج صغيرة، ومصدر غذاء، وباب دخل، ومدرسة عمل، ومساحة لتربية الأبناء على الاعتماد على النفس، وربط المعرفة بالحياة، والكرامة بالإنتاج.
فالفقر لا يُقاوم بالشكوى وحدها، ولا بالمرتبات التي تتآكل مع التضخم وحدها، ولا بالدعم العابر وحده، وإنما يُقاوم قبل ذلك بإحياء طاقة الإنسان، واستثمار المساحات المعطلة، وتحويل الموارد الصغيرة إلى دورة إنتاج نافعة. وكثير من الأسر تملك داخل بيوتها أو حولها مساحات محدودة لا يُنتفع بها إلا قليلًا، ولو أُعيد تنظيمها بعقل إنتاجي، لأمكن أن تنتج خضرًا، أو شتولًا، أو ألبانًا، أو بيضًا، أو بعض الأعلاف، أو غير ذلك من المنتجات الصغيرة التي تخفف عبء السوق وتفتح بابًا للدخل.
وليس المقصود بالسكن المنتج أن يتحول كل بيت إلى مزرعة مكتظة أو حظيرة عشوائية، ولا أن تُنقل التجارب كما هي من بيئة إلى أخرى، وإنما المقصود أن تُصمم نماذج متعددة تناسب اختلاف البيئات والقدرات. فالبيت الحضري داخل المدن قد يناسبه نموذج خفيف يقوم على الخضر المنزلية، والأشجار المثمرة المحدودة، وإنتاج الشتول، وربما دواجن قليلة بضوابط صحية وبيئية صارمة، مع الإفادة من مخلفاتها وما يتبقى من مخلفات الأطعمة في إنتاج سماد عضوي نافع وآمن. أما البيت في أطراف المدن أو في الأحياء الواسعة فقد يناسبه نموذج أوسع يجمع بين أشجار الفاكهة، وبعض الدواجن، وربما عدد محدود من الماعز أو الأرانب أو غيرها مما تسمح به المساحة واللوائح والجوار. وأما الريف، حيث الأرض والماء والامتداد، فيمكن أن يحتضن نموذجًا أكبر، يجمع بين الحيوان والنبات والعلف والسماد والبايوغاز والتصنيع الغذائي المنزلي. والبيئات الجامعية والمدرسية والمراكز التدريبية يمكن أن تكون ساحات نموذجية لتعليم الشباب معنى الإنتاج العملي، لا بمجرد المحاضرات، بل بالممارسة اليومية.
إن جوهر الفكرة هو ما يمكن أن نسميه ثقافة “المتر المنتج”، أي أن لا تبقى المساحات معطلة بلا وظيفة. فالمتر الذي كان مهملًا يمكن أن يحمل شتلة نافعة، والركن الذي كان مستودعًا للفوضى يمكن أن يتحول إلى مشتلة صغيرة، ومخلفات المطبخ يمكن أن تتحول إلى سماد، وروث الحيوان يمكن أن يصبح غذاءً للتربة أو مدخلًا للبايوغاز، والسطح أو الفناء أو الحوش يمكن أن يؤدي وظيفة غذائية أو اقتصادية أو تعليمية. وعندما تتكرر هذه الثقافة في آلاف البيوت، لا يعود الأثر فرديًا فقط، بل يصبح تيارًا اجتماعيًا واسعًا يعزز الأمن الغذائي، ويفتح فرصًا صغيرة للعمل، ويعيد للناس ثقتهم في قدرتهم على صناعة الحلول.
ومن أهم مزايا هذا النشاط أنه لا يفصل بين الإنتاج والتربية. فالطفل الذي يرى الشجرة تكبر، والدجاجة تبيض، والشتلة تُباع، والسماد يُصنع من المخلفات، يتعلم درسًا لا تمنحه الكتب وحدها؛ يتعلم أن الرزق مرتبط بالعمل، وأن النظافة جزء من الإنتاج، وأن العلم حين يُطبق يصبح مالًا وغذاءً وكرامة. والشاب الذي يشارك في رعاية الحيوان أو النبات أو المشتل أو التسويق، يستثمر وقته، ويتعلم مهارة، ويتذوق معنى المسؤولية، بدل أن يتركه الفراغ نهبًا للضياع أو العجز أو الاتكال.
غير أن تعميم هذه الفكرة يحتاج إلى عقل مؤسسي، لا إلى حماس عابر. فلا يكفي أن نقول للناس: ازرعوا وارعوا وأنتجوا، ثم نتركهم بلا تدريب ولا إرشاد ولا نماذج واضحة. المطلوب أن تُعدّ الدولة والجامعات والولايات والوزارات ذات الصلة أدلة مبسطة للسكن المنتج، تراعي اختلاف البيئات والمساحات، وتحدد ما يصلح للمدينة وما يصلح للريف، وما يصلح للأسر محدودة الدخل، وما يصلح للمدارس والجامعات والقرى الإنتاجية وأطراف المدن. كما ينبغي أن تُقدَّم نماذج صغيرة قابلة للتطبيق، تبدأ بحزم إنتاج محدودة ومدروسة، ثم تتوسع بقدر النجاح والقدرة.
ومن الناحية العلمية، فإن الجمع بين النبات والحيوان داخل دورة صغيرة يمكن أن يكون شديد الفائدة إذا أُحسن ضبطه؛ فالحيوان يعطي اللبن والبيض واللحم والسماد، والنبات يعطي الغذاء والعلف والظل والمخلفات العضوية، والسماد يعود إلى التربة، والمخلفات تتحول من عبء إلى مورد. لكن هذه الدائرة لا تنجح بالعشوائية، بل تحتاج إلى معرفة صحية وبيطرية وزراعية، وإلى اختيار سلالات مناسبة، وضبط للروائح والمخلفات، ومراعاة للجوار، ونظافة مستمرة، وتحسين للتربة، ومياه مأمونة، وحساب دقيق للتكاليف والعائد. فكل مشروع صغير، مهما بدا بسيطًا، قد ينجح أو يفشل بحسب الإدارة.
ولهذا فإن التوسع في السكن المنتج ينبغي أن يسبقه أو يصاحبه إرشاد حقيقي. فالأسرة تحتاج أن تعرف ماذا تزرع في مساحتها، وكم تحتاج من ماء، وما أفضل الشتول، وكيف تصنع السماد العضوي، وكيف تربي عددًا محدودًا من الطيور أو الحيوانات دون ضرر صحي، وكيف تحسب تكلفة العلف والدواء والماء، وكيف تسوق الفائض. كما تحتاج إلى خدمات بيطرية قريبة، ومراكز تدريب محلية، وتمويل صغير غير مرهق، وربط بالأسواق، ومنصات رقمية بسيطة لعرض المنتجات والشتول والألبان والبيض والخضر.
والأوفق أن يبدأ الأمر بمشروعات تجريبية لا بشعارات عامة. يمكن اختيار مجموعة أسر في حي حضري، ومجموعة أخرى في قرية، ومجموعة ثالثة في بيئة جامعية أو مدرسية، ثم تُمنح كل مجموعة نموذجًا يناسبها، مع تدريب ومتابعة لمدة عام كامل. بعد ذلك تُقاس النتائج: كم زاد دخل الأسرة؟ كم قل اعتمادها على السوق؟ ما تكلفة الإنتاج؟ ما المشكلات الصحية أو البيئية؟ ما أثر التجربة على الأبناء؟ هل وُجد فائض قابل للبيع؟ هل تقبل الجوار النموذج؟ هل يمكن توسيعه؟ بهذه الطريقة تنتقل الفكرة من الإلهام الفردي إلى السياسة العامة القابلة للقياس والمراجعة.
ولا ينبغي أن يُفهم السكن المنتج على أنه بديل عن المشروعات الكبرى، أو عن إصلاح الزراعة والصناعة، أو عن وظائف الشباب، أو عن مسؤولية الدولة في الاقتصاد والخدمات. إنما هو رافد مهم من روافد الحل، يعمل من أسفل، من الأسرة والحي والقرية والمدرسة والجامعة، ويكمل السياسات الكبرى ولا يغني عنها. فالدولة التي تريد النهوض تحتاج إلى مزارع كبرى وصناعات حديثة وصادر قوي، لكنها تحتاج كذلك إلى ملايين الأسر التي تتعلم كيف تنتج ولو جزءًا من غذائها، وتدخل في دورة العمل لا دورة الانتظار.
وفي السودان بالذات، تبدو هذه الفكرة ذات معنى مضاعف؛ لأن البلاد تملك قابلية طبيعية هائلة للإنتاج، ولكن كثيرًا من الناس حُبسوا في ثقافة المرتب الضعيف، والسوق الغالي، والشكوى من ضيق الحال، مع أن حولهم من الماء والشمس والتربة والخبرة الشعبية ما يمكن أن يتحول إلى قيمة. ولو انتشرت نماذج السكن المنتج بصورة مدروسة، فقد تسهم في تخفيف الفقر، وتحسين التغذية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتقليل المخلفات، وتوفير دخل إضافي، وفتح أبواب عمل صغيرة للنساء والشباب، وتدريب الأجيال على الاقتصاد العملي.
ومع ذلك، فإن القاسم المشترك الأكبر لنجاح هذه الفكرة، كما هو شأن كل مشروع إنتاجي في البلاد، هو صلاح البيئة العامة. فالأسر المنتجة تحتاج إلى ماء مستقر، وكهرباء أو بدائل طاقة، وخدمات بيطرية وزراعية، وأسواق عادلة، وتمويل صغير، ورسوم ميسرة، وتراخيص واضحة، وطرق آمنة، ومدخلات إنتاج متاحة، وقوانين لا تعاقب المبادر ولا تفتح أبواب الجباية والتعقيد. فإذا بقيت البيئة مختلة، فإن أكثر الأفكار جمالًا قد تتعثر، وقد يذبل الحماس الأول تحت ضغط التكلفة والرسوم والفوضى وضعف الخدمات.
ومن هنا فإن تعميم السكن المنتج لا ينجح كاملًا إلا ضمن حزمة إصلاح البيئة العامة، تنزل متوازية لا متوالية: حوكمة واضحة، ورقمنة للخدمات والتراخيص والأسواق، وتبسيط للإجراءات، وتوحيد للرسوم، وعدالة ناجزة، وحماية للعقود، وسعر صرف حر شفاف عبر منصة مركزية معلنة وفق العرض والطلب، وتمويل صغير منضبط، وإرشاد زراعي وبيطري متاح، وربط المنتجين بالأسواق. فإذا نزلت هذه الحزمة متوازية، صار البيت المنتج جزءًا من اقتصاد منتج واسع، لا تجربة معزولة تصارع وحدها.
إن السكن المنتج ليس مجرد فكرة زراعية صغيرة، بل هو مدخل لبناء إنسان جديد؛ إنسان لا يحتقر العمل اليدوي، ولا ينتظر خلاصه كله من الدولة، ولا يستسلم للفقر كقدر نهائي، بل يرى في كل متر فرصة، وفي كل مخلف موردًا، وفي كل شتلة أملًا، وفي كل مهارة بابًا للكرامة. وإذا صلحت البيئة العامة، وأُحكمت النماذج، وتضافرت الدولة والمجتمع والجامعات والقطاع الخاص، فقد تتحول هذه الفكرة من تجارب متفرقة إلى حركة إنتاج شعبية واسعة، تضع لبنة حقيقية في طريق الاكتفاء والرفاهية والنهضة.




