
رمضان محجوب… يكتب:
▪️ حين تفجرت أحداث الحرب في الخرطوم، لم تكن مدينة دنقلا بالنسبة للدكتور عبد المنعم العميري وزوجته الدكتورة مها أحمد عبد العال مجرد ممر آمن للعبور. فقد اختارا مدينة الآباء و الجدد ومرتع الطفولة والصبا لا ليجلسا في الظل ويترقبا أو يجترا بقايا ذكريات لهما فيها، بل ليكون وجودهما فيها حركةً دؤوبة لا تهدأ. لم يأتيا بحثاً عن السكينة فحسب، بل حملا معهما طاقة عمل، فكان صوتهما حاضراً في اللقاءات الرسمية والشعبية، يطرحان الرأي الذي يعتمد على التجربة والخبرة، وبعيداً عن ضجيج الشعارات، تلمست الشمالية وانسانها أثرهما في تفاصيل يومهم خلال أشهر المحنة.
▪️ ولدت الدكتورة مها في هذا المناخ، ابنةً للراحل أحمد عبد العال، المعلم الذي ظل اسمه حاضراً في مجالس العلم بدنقلا. لم تتكئ على إرث والدها، بل شقت طريقها بجهدها الخاص، نالت الدكتوراه في العلوم الزراعية، وتعمقت في علوم الإدارة بعيدة المدى، ثم انصرفت إلى قاعات الجامعات، تضع بين أيدي طلابها خلاصة ما تعلمته، واضعةً في اعتبارها أن التعليم أداة تمنح الشباب القدرة على قراءة واقعهم ومواجهة تحدياته برؤية واضحة، وهو ما يلمسه طلابها في منهجها.
▪️ إلى جانبها، يفتح الدكتور عبد المنعم العميري مساراتٍ أخرى. فلا تجده يكتفي بالتنظير، بل يغوص في أعماق النفس البشرية بوعيٍ عمليٍ مشهود. حين تقرأ مؤلفاته السبعة عشر، تدرك أنه لا يكتب لمجرد الكتابة، بل يكتب ليعالج خللاً في فهمنا للذات. كانت دوراته التدريبية تتجاوز نطاق التدريب التقليدي، إذ ربط فيها بين العلم وحاجة المجتمع للاستقرار النفسي في ظل ضغوط الحرب، وهو ما جعل منه قبلةً للباحثين عن توازنٍ في زمنٍ اضطربت فيه موازين الكثيرين.
▪️ في بدايات المقاومة الشعبية، كان حضورهما واضحاً. لم ينتظرا تكليفاً ليتحركا، بل وضعا الخطط التنظيمية والاستراتيجية التي احتاجتها الساحة، وكانت خبرتهما بعض من الرافد الذي استندت إليه لجان المقاومة. لم يغلقا باب دارهما، فكانت تلك الدار بمثابة مكتبٍ مفتوح، تستقبل المستشير، وتسمع لصاحب الحاجة، وتقدم المشورة لمن ضاقت به السبل، دون تكلفٍ أو ترفع، وهي ممارسة نادرة في زمنٍ انشغل فيه الناس بخصوصياتهم عن الهموم المجتمعية.
▪️ انتقل هذا الأثر إلى المجلس الأعلى للشباب والرياضة. انضما إلى لجنة الخبراء، ولم يكن وجودهما إكمالاً لعدد. لقد نفضا الغبار عن كثير من الملفات الإستراتجية، وعملا على تحويل افكار وخططه المجلس إلى خطط وبرامج تمشي علي قدمين بين الشباب. رأينا مقترحاتهما تُناقش بجدية، وكيف كان اللواء الدكتور عبد الرحمن فقيري، أمين المجلس، يضع ثقته في رؤاهما، مدركاً أن الخبرة التي يحملانها هي ما يحتاجه العمل الشبابي والرياضي في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الولاية.
▪️غدا سيكرمهما اللواء فقيري تتويجاً لهذه الفترة. لن يكون هذا التكريم مراسم بروتوكولية، بل هو تقديرٌ لجميلٍ قدمه أشخاصٌ نذروا خبرتهم لخدمة مجتمعهم في وقتٍ نحن فيه أحوج ما نكون لمن يضع لبنةً فوق لبنة. فهذا الوفاء يؤكد أن الولاية تحفظ لأبنائها المخلصين مكانتهم، وتقدر العقول التي لم تبخل بجهدها في أحلك الظروف، وهو درسٌ بليغ في كيفية التعامل مع الكفاءات التي تترك بصمتها وترحل.
▪️ تحزم الأسرة الآن أحزمة الوداع للعودة إلى الخرطوم، ومع تباشير استقرار الحياة هناك، يعود العميري ومها وأسرته ما الصغيرة إلى العاصمة. نعم ندرك حجم المسؤولية التي تنتظرهما في إعادة إعمار ما هدمته الحرب، ليس فقط في جدران المؤسسات، بل في معاني الحياة التي تأثرت كثيراً. ننتظر منهما أن يواصلا هذا العطاء، مسلحين بخبرةٍ اكتسباها في الخرطوم وصقلاها في دنقلا، ليكون عملهما امتداداً لما زرعاه هنا من أملٍ وعمل.
▪️ ستفتقدهما الشمالية ومدينة دنقلا، لكن العزاء أن عطاءهما لا يتوقف عند جغرافيا. لقد كان وجودهما في الشمال رصيداً إضافياً لاهلها، كما سيكون وجودهما في الخرطوم مكسباً للوطن. إلى عبد المنعم ومها، نمضي معكما بأمنياتنا الصادقة بالتوفيق في مسيرتكما القادمة، وأن تظلا كما عرفناكما، طاقةً لا تكل، وعقولاً لا تستريح عن التفكير في خير هذا الشعب ورفعة شأنه، فأنتم اليوم ترحلون لتدخلوا معركة البناء التي ينتظرها الجميع.




