مقالات

من وكرٍ للمخدرات إلى مضمارٍ للفروسية… رأس الوادي نموذجٌ للسودان

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

ما جرى في رأس الوادي، جنوب بربر بولاية نهر النيل، يوم الجمعة ٢٦ يونيو ٢٠٢٦، ليس حدثًا رياضيًا عابرًا، ولا سباق خيل ينتهي بانتهاء شوطه، وإنما هو درس اجتماعي وتربوي ووطني بليغ، يستحق أن تقف عنده كل قرية ومدينة ومحلية وولاية في السودان. فقد تحوّل مكان كان بالأمس موضع خوف وقلق، وملتقى لما يهدد الشباب والأسر والمجتمع، إلى مضمار للفروسية، وساحة للفرح النظيف، ومتنفس للأسر، وميدان لتربية الشباب على الانضباط والشجاعة والصبر والمروءة والتنافس الشريف.

وهنا تكمن القيمة الكبرى للتجربة؛ فالمسألة ليست في أرض سُوّيت، ولا في سياج أُقيم، ولا في خيول تسابقت، وإنما في المعنى العميق الكامن وراء ذلك كله. فقد أثبتت رأس الوادي أن المجتمع حين يقرر ألا يسلّم أبناءه للفراغ، ولا يترك ساحاته للضياع، ولا يكتفي بالشكوى من المخدرات والعادات السالبة، يستطيع أن يحوّل مواضع الخطر إلى ميادين خير، وأن يجعل من المكان نفسه الذي كان مصدرًا للقلق مصدرًا للأمل والفخر والبناء.

إن الفروسية في أصلها ليست رياضة جسد فحسب، بل هي مدرسة أخلاق كاملة؛ تعلم الشاب الصبر قبل السرعة، وضبط النفس قبل المنافسة، والعناية قبل الظهور، والمسؤولية قبل الفخر. ومن يقترب من الخيل يتعلم النظام، والنظافة، والرحمة، وحسن القيادة، واحترام الوقت، وقوة الاحتمال، والتعامل مع كائن نبيل لا يُقاد بالقسوة وحدها، وإنما يُروَّض بالصبر والرفق وحسن الصحبة. ولهذا كانت الخيل في وجدان المسلمين والعرب قرينة المروءة والشجاعة والنجدة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود في

نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، وفي القرآن الكريم إشارة إلى إعداد القوة لحماية الأمة وردع عدوها، قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}. فالفروسية هنا ليست مظهرًا للزينة وحدها، بل رمزٌ للجاهزية والانضباط وحماية الديار والناس.
ومن هنا فإن مضمار رأس الوادي ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه إنجازًا محليًا لأهل المنطقة وحدهم، بل بوصفه نموذجًا قابلًا للتعميم في كل ولايات السودان. فما أحوج قرانا ومدننا اليوم إلى ميادين نظيفة تستوعب الشباب، وتفتح لهم أبواب

النشاط النافع، وتربطهم بتراثهم وقيمهم، وتصرفهم عن مسالك الفراغ والانحراف. فالشباب لا يُحمون بالمواعظ وحدها، ولا بالعقوبة وحدها، ولا بالتحذير من المخدرات وحده، وإنما يُحمون كذلك بفتح البدائل الصالحة أمامهم، وبناء المؤسسات التي تحتضن طاقتهم، وتهيئة المناشط التي تمنحهم معنى وانتماءً ورفقة صالحة وميدانًا شريفًا للتنافس.
وقد وجّه الإسلام إلى بناء القوة النافعة، لا قوة البطش والفساد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المعنى المأثور: علّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل. وهذه

التوجيهات لا تقف عند ظاهر المهارة البدنية، بل تشير إلى بناء الإنسان القادر، المنضبط، النافع لنفسه وأهله ووطنه؛ لأن الأمة التي تربي شبابها على الضعف والفراغ لا تجني إلا الهشاشة، أما الأمة التي تربيهم على القوة المؤمنة، والخلق الكريم، والنشاط النافع، فإنها تزرع فيهم بذور الحماية والبناء والنهضة.
إن آفة المخدرات التي تهدد الشباب والأسر والمجتمع والدولة لا تُقاوم أمنيًا فقط، وإن كان الأمن ضرورة لا غنى عنها، لكنها تُقاوم كذلك بالتربية والرياضة والثقافة والعمل العام، وبملء الفراغ بما ينفع، وبإحياء روح الجماعة، وبمنح الشاب فرصة ليشعر أن مجتمعه يثق فيه ويحتاج إليه.

فحين يجد الشاب ميدانًا منضبطًا، ومدربًا موجّهًا، ورفقة صالحة، وناديًا هادفًا يحتضنه، وأسرة تشجعه، ومجتمعًا يقدّر إنجازه، فإنه يكون أقرب إلى البناء، وأبعد عن رفقاء السوء وطرق الهلاك. وقد قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وهذا هو جوهر ما نحتاجه اليوم: تعاونٌ أهلي ورسمي على أبواب البر، ومواجهة منظمة لأبواب الإثم والعدوان والضياع.

ولذلك فإن دعم المؤسسات الحكومية والتنفيذية والأهلية لمثل هذه المناشط ليس ترفًا اجتماعيًا ولا عملًا هامشيًا، بل هو استثمار مباشر في الإنسان، وفي الأمن الاجتماعي، وفي مستقبل البلاد. فكل جهد يُبذل في ميدان رياضي نظيف، أو نادٍ رياضي هادف، أو منشط ثقافي وتربوي، هو في حقيقته إسهام في حماية المجتمع من كلفة أكبر بكثير: كلفة الإدمان، والجريمة، والتفلت، وضياع الطاقات، وانقطاع الشباب عن قراهم وأهلهم ووطنهم.

وإذا كانت رأس الوادي قد استطاعت أن تحوّل موضعًا كان يُخشى منه إلى مضمار تُرفع فيه الرؤوس، فإن الرسالة ينبغي أن تصل إلى كل منطقة في السودان: لا تتركوا الفراغ يملك أبناءكم، ولا تتركوا الأماكن المهملة تتحول إلى أوكار للخطر، ولا تنتظروا الحلول الكبرى حتى تبدأوا في الممكن القريب. ففي كل قرية يمكن أن يقوم ميدان، وفي كل محلية يمكن أن ينشأ نادٍ هادف، وفي كل ولاية يمكن أن تُبعث الفروسية والرياضة والثقافة والعمل الطوعي بوصفها جسورًا لتربية الشباب وخدمة المجتمع.

وليس المقصود بالفروسية مجرد سباق موسمي يحضره الناس ثم ينصرفون، وإنما المطلوب أن تتحول إلى برنامج مستمر: تدريب للناشئة، ورعاية للخيول، ومسابقات منتظمة، وشراكات مع المدارس والخلاوى والأندية الهادفة، وتوعية ضد المخدرات، ومشاركة للأسر، وحضور للجهات الرسمية والأهلية، وربط بين الرياضة والقيم والعمل المجتمعي. وبذلك يصبح المضمار مدرسة مفتوحة، لا يتعلم فيها الشاب ركوب الخيل وحده، بل يتعلم كيف يكون منضبطًا، نافعًا، معتزًا بقيمه، حاضرًا لخدمة أهله ووطنه.

بل إن هذه الخيول وهذه المضامير يمكن أن تتجاوز معنى السباق الموسمي إلى معنى أوسع وأنفع، وذلك بتكوين فرق تطوعية منظمة من شباب كل منطقة، تتعاقب على خدمة المجتمع تحت إشراف الجهات الرسمية والشرطية واللجان الأهلية ونوادي الفروسية الهادفة، في إطار منضبط يعزز دور الدولة والشرطة، ولا يفتح بابًا للفوضى أو التصرفات الفردية. ويمكن لهذه الفرق أن تسهم في التوعية ضد المخدرات، ورصد مواطن الخطر، والتنبيه إلى السرقات والظواهر السالبة، والمشاركة في تنظيم الأسواق والمناسبات، ومساعدة الأسر في الطوارئ، وإسناد حملات النظافة والتشجير والخدمات العامة.

وبهذا تتحول الخيل من وسيلة للسباق وحده إلى وسيلة لتربية الانضباط والمسؤولية، ويتحول الفارس من متسابق في مضمار إلى شاب نافع في مجتمعه، يعرف حدود دوره، ويحترم القانون، ويتعاون مع الدولة والأهل على البر والتقوى. فإذا وُضعت لهذه الفرق لوائح واضحة، وتدريب منضبط، وجدول مناوبات، وربط مباشر بالشرطة والإدارة الأهلية والسلطات المحلية، أمكن أن تصبح الفروسية بابًا عمليًا لحماية الشباب من الفراغ، وحماية المجتمع من المخدرات والسرقات، وإحياء روح النجدة والتعاون والخدمة العامة.

والسودان يُعد من أكبر البلدان العربية رصيدًا في الخيل، بما يملكه من تراث عريق في الفروسية، وسلالات محلية، ومساحات واسعة، ومجتمعات ريفية ظلت الخيل جزءًا من وجدانها وحياتها. وهذه الثروة، سواء جاءت في الصدارة عربيًا أو ضمن طليعة الدول العربية، لا ينبغي أن تبقى محصورة في السباقات والمناسبات، بل ينبغي أن تُفعّل في التربية والرياضة والسياحة الداخلية، وخدمة المجتمع، وتشجيع مربي الخيل، وتطوير البيطرة والأعلاف وصناعة السروج واللوازم، وربط الفروسية بمشروع اجتماعي وتربوي واقتصادي نافع. فالثروة الحقيقية ليست في عدد الخيول وحده، بل في حسن تنظيمها وتوجيهها وربطها بأبواب الخير.

ومن المهم أن تُدار هذه المناشط بروح جامعة، لا بروح قبلية ضيقة، وأن تكون أبوابها مفتوحة لأبناء المنطقة جميعًا، وأن تُصان من الفوضى والمظاهر السالبة، وأن تُربط برسالة واضحة: تربية الشباب، ومكافحة المخدرات، وإحياء القيم، وخدمة المجتمع، وتعميق الانتماء الوطني. فالمضمار الناجح ليس هو الذي ينتج فارسًا سريعًا فقط، وإنما هو الذي ينتج شابًا أكثر انضباطًا، وأسرة أكثر طمأنينة، ومجتمعًا أكثر تماسكًا، ومنطقة أكثر قدرة على حماية نفسها من الشرور.
ولا ينبغي أن نغفل الأثر الاقتصادي والاجتماعي لمثل هذه المناشط. فإحياء الفروسية يفتح أبوابًا لمربي الخيل،

وللعاملين في الأعلاف، والبيطرة، والنقل، وصناعة السروج واللوازم، وتنظيم الفعاليات، والأسواق المصاحبة، كما يخلق مواسم فرح محلية تعيد الحياة إلى القرى والمدن، وتجمع الناس على الخير، وتمنح المناطق صورة إيجابية بدل أن تُذكر بما يحزن أو يخيف.
إن البلاد التي تمر بالمحن تحتاج إلى كل ما يعيد الثقة في المجتمع، وكل ما يثبت أن البناء ممكن، وأن الخير موجود، وأن الشباب ليسوا عبئًا نخاف منه، بل طاقة عظيمة نخاف عليها. وإذا أُحسنت رعايتهم، ووُضعت أمامهم الميادين

الصحيحة، فإنهم يكونون سندًا لأهلهم، وحصنًا لمناطقهم، وقوة خير لوطنهم. فحماية البلاد والعباد لا تكون بالسلاح وحده، بل تبدأ كذلك من تربية الإنسان، وبناء الانضباط، وتعميق المروءة، وربط الشباب بالأرض والقيم والمسؤولية.
تحية لأهل رأس الوادي، ولشبابها، ولفرسانها، ولكل من أسهم في تحويل الفكرة إلى واقع، ولكل جهة رسمية أو أهلية أو رياضية مدت يدها لهذا العمل. والتحية أكبر للمعنى الذي خرج من التجربة: أن المجتمع الحي لا يستسلم للشر، ولا يترك أبناءه للضياع، ولا يكتفي بالبكاء على الواقع، بل يصنع من قلب المعاناة بابًا للأمل.

فلنجعل من مضمار رأس الوادي بداية لا نهاية، ومن صهيل الخيل نداءً لكل السودان: أحيوا ميادينكم، افتحوا أبواب الخير لشبابكم، حوّلوا الأوكار إلى أندية هادفة، والفراغ إلى عمل، والخوف إلى طمأنينة، والضياع إلى فروسية ومروءة وانضباط. فإن الأمم لا تنهض بالمؤسسات الكبرى وحدها، بل تنهض أيضًا حين تعرف كيف تصنع من تراثها الحي طاقة للمستقبل، وكيف تجعل من شبابها قوة بناء وحماية، لا مادة للفراغ والانكسار.
وما أجمل أن يُقال عن رأس الوادي اليوم: هنا كان الخوف، فصار أملًا؛ وهنا كان الفراغ، فصار ميدانًا؛ وهنا كاد الشباب يُختطفون إلى الضياع، فاستعادهم صهيل الخيل إلى الحياة.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى