مقالات

العفو والتسامح ..رسالة للمقدم شرطة عبدالمطلب محمد أحمد

محجوب ابو القاسم يكتب |

في مجتمعنا السوداني تظل قيمة التسامح واحدة من أعظم القيم التي تحفظ العلاقات وتعيد المياه إلى مجاريها مهما بلغت حدة الخلافات ومجتمعنا بطبيعته متسامح ومتصافي ظل عبر تاريخه الطويل يقدم نماذج نادرة في العفو والصفح حتى بعد الخصومات القاسية والمشاكل والنزاعات الكبيرة وكما يقول المثل الشعبي مصارين البطن بتتشاكل في إشارة إلى أن الخلافات بين الناس أمر طبيعي لكن الأهم هو كيف تنتهي تلك الخلافات وكيف ينتصر العقل والحكمة في خواتيمها.

كثير من القضايا تبدأ باحتقان وغضب وبعضها يصل إلى أروقة المحاكم لكننا في نهاية المطاف نجد أن روح التسامح كثيرا ما تكون هي الكلمة الأخيرة فاللجوء إلى القضاء ليس دائما تعبيرا عن الرغبة في الانتقام بل أحيانا يكون وسيلة لإثبات الحق ورد الاعتبار وإزالة الظلم، وبعدها يصبح الباب مفتوحا أمام العفو والتصافي.

ومن هذا المنطلق جاءت القضية التي شغلت الرأى العام خلال الأيام الماضية خاصة داخل الوسط الصحفي والمتعلقة بالزميلة الصحفية رشان أوشي والمقدم عبدالمطلب محمد أحمد وهي قضية قال فيها القضاء كلمته بصورة واضحة بعد أن سلكت كافة الإجراءات القانونية مجراها الطبيعي.
ولأن القضاء مؤسسة محترمة وواجبة الاحترام فإن الحديث هنا لا يتعلق بالتشكيك في الأحكام أو الخوض في تفاصيل القضية، فالمحكمة أصدرت قرارها وفق ما توفر أمامها من بينات ومستندات، وأدانت الزميلة رشان بعد أن رأت أنها لم تتمكن من إثبات ما نشرته، وبالتالي فإن الجانب القانوني قد انتهى بالنسبة للمحكمة وتم تنفيذ الحكم وفق الإجراءات المعروفة.

لكن تبقى هناك مساحة أخرى لا يحكمها القانون وحده وإنما تحكمها الأخلاق والقيم والمروءة والروح الإنسانية وهي المساحة التي تجعل الناس ينظرون إلى العفو باعتباره انتصارا أكبر من الخصومة نفسها.

الرسالة التي كتبها المقدم عبدالمطلب محمد أحمد حملت قدرا كبيرا من الهدوء والاتزان حين أوضح أن قضيته لم تكن ضد الصحافة ولا ضد حرية الرأي وإنما ضد ما اعتبره اتهامات علنية مست سمعته وكرامته بصورة مباشرة كما أكد احترامه للصحافة والصحفيين المهنيين وشدد على أن الكلمة أمانة ومسؤولية.

وهذا الحديث مهم للغاية لأنه يضع القضية في إطارها الصحيح فحرية الصحافة لا تعني إهدار حقوق الآخرين كما أن اللجوء للقضاء حق مشروع لكل متضرر، وفي المقابل فإن الصحافة تظل سلطة رقابية ورسالة مجتمعية عظيمة لا يمكن التقليل من دورها وتأثيرها.

لكن رغم كل ذلك يبقى السؤال الإنساني مطروحا هل يمكن أن ينتصر العفو بعد أن انتصر القانون،نحن اليوم نعيش أياما مباركة تتعاظم فيها معاني الرحمة والتسامح والتجاوز عن الزلات وهي أيام اعتاد فيها السودانيون على إطفاء الخصومات وفتح صفحات جديدة.

ولذلك فإن كثيرين داخل الوسط الصحفي وخارجه يترقبون موقفا يحمل روح التسامي والتصافي خاصة وأن القضية أخذت بعدها القانوني الكامل وأصبح الجميع يعلم أن المحكمة قالت كلمتها وأن الشاكي قد نال حقه القانوني ورد اعتباره أمام الرأى العام.

العفو هنا لن يلغي الحكم ولن يغير ما حدث لكنه قد يبعث برسالة أكبر إلى المجتمع رسالة تقول إن قوة الإنسان لا تقاس فقط بقدرته على الانتصار القانوني وإنما أيضا بقدرته على التسامح حين يكون قادرا على العقاب.

وفي المقابل فإن هذه القضية تفتح بابا واسعا للنقاش داخل الوسط الإعلامي حول أهمية التثبت من المعلومات وخطورة الاتهامات غير الموثقة لأن الكلمة قد تبني وقد تهدم وقد تتحول من أداة تنوير إلى مصدر أذى بالغ إذا لم تستخدم بمهنية ومسؤولية.

ما بين حق القانون وروح التسامح تبقى الحكمة دائما في البحث عن ما يحفظ كرامة الجميع ويعيد للمجتمع هدوءه وتوازنه فالأوطان المنهكة بالحروب والأزمات أحوج ما تكون اليوم إلى خطاب يطفئ النيران لا إلى خطاب يزيدها اشتعالا
ويبقى الأمل قائما في أن تنتصر قيم الصفح كما انتصر القانون وأن يفتح الجميع صفحة جديدة عنوانها الاحترام المتبادل والمسؤولية والكلمة الصادقة، ننتظر قرارك بالعفو والتسامح سعادتك.

ولنا عودة

 

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى