مقالات

حين لا تقرأ الدولة مؤشرات الخطر

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

ليست الحروب الأهلية قدرًا غامضًا يهبط على الشعوب بغتة، ولا نارًا تشتعل في لحظة بلا وقود سابق، وإنما هي في الغالب ثمرة مُرّة لتراكم طويل من الاختلالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، حتى إذا بلغت حدًّا معينًا انفجرت في صورة صراع مفتوح، وتمزق وطني، وانهيار في الثقة، وتفكك في مؤسسات الدولة.
ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس: لماذا اندلعت الحرب بعد اندلاعها؟ بل السؤال الأعمق: ما المؤشرات التي ظلت تتحرك في جسد الدولة والمجتمع حتى أوصلت البلاد إلى حافة الانفجار؟ وما الذي كان يمكن رصده مبكرًا لو وجدت دولة يقظة، ومؤسسات رشيدة، ونظام إنذار وطني لا يكتفي بمراقبة الأحداث بعد وقوعها، بل يراقب أسبابها قبل أن تتحول إلى كوارث؟

إن الدول لا تنهار لأن حادثًا واحدًا وقع فيها، وإنما تنهار عندما تضعف مؤسساتها، ويتراجع سلطان القانون، ويكثر السلاح خارج يد الدولة، وتتسع المظالم، وتضيق فرص المشاركة، ويختل الاقتصاد، وتتحول البطالة والتهميش وانهيار الخدمات إلى بيئة غضب عام، ثم تأتي التدخلات الخارجية لتزيد النار اشتعالًا، أو تستثمر في الانقسام، أو تجعل من هشاشة الداخل فرصة لخدمة مصالح الخارج.

والحرب الأهلية، بهذا المعنى، ليست حدثًا معزولًا، بل ظاهرة مركبة لا تفسر بعامل منفرد، وإنما تتكون من تفاعل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية ومؤسسية وخارجية. فإذا اختل واحد منها ضعفت الدولة، وإذا اختلت كلها أو أكثرها صارت البلاد واقفة على حافة الهاوية.

فالانقسام السياسي الحاد لا يبقى مجرد خلاف في الرأي حين تفشل النخب في إدارته داخل مؤسسات جامعة. والصراع على السلطة والثروة يتحول إلى مدخل للعنف حين تغيب العدالة وتضيق فرص المشاركة وتصبح الدولة غنيمة. والتوترات القبلية والجهوية لا تكون خطيرة بذاتها ما دامت محكومة بالقانون والإنصاف، لكنها تصبح قابلة للاشتعال حين تتراجع الدولة وتُترك المجتمعات المحلية نهبًا للتحريض والخوف المتبادل.

وكذلك فإن التدهور الاقتصادي ليس رقمًا في نشرات الأسواق فحسب، بل عامل عميق في زعزعة الاستقرار؛ لأن الجوع والبطالة وغلاء المعيشة وانهيار الخدمات تضعف صبر الناس على الدولة، وتفتح الباب أمام السخط، والهجرة، والجريمة، والتمرد، والتجنيد في جماعات مسلحة. وحين يتزامن ذلك مع ضعف مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة، وانتشار السلاح، يصبح المجتمع كله قابلًا للانفجار عند أول شرارة كبرى.

ولذلك فإن من أخطر أخطاء الحكم والإدارة أن تتعامل الدولة مع الأزمات كحوادث منفصلة: أزمة اقتصاد هنا، وخلاف سياسي هناك، وانفلات أمني في موضع ثالث، وتوتر اجتماعي في منطقة رابعة، وتدخل خارجي في مسار خامس. هذه ليست جزرًا متباعدة، بل أجزاء من لوحة واحدة. وحين لا توجد عقلية حاكمة قادرة على ربط هذه المؤشرات وقراءتها معًا، تفشل الدولة في فهم الخطر قبل وقوعه، ثم تستيقظ بعد الكارثة لتسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟
ومن هنا تبرز أهمية الإدارة الرشيدة لمؤشرات الخطر؛ أي أن تكون لدى الدولة قدرة مؤسسية دائمة على رصد العوامل المؤثرة في الاستقرار، وقياس اتجاهاتها، وتحليل آثارها، والتدخل المبكر لمعالجتها قبل أن تتحول إلى صراع. فالحكم الرشيد ليس قرارات يومية، ولا خطابات سياسية، ولا لجانًا طارئة، بل نظام متكامل يرى العلاقة بين السياسة والاقتصاد والأمن والقانون والمجتمع، ويديرها بعقلية وقائية لا بعقلية إطفاء الحرائق بعد اشتعالها.

وفي حالة السودان، تبدو هذه الفكرة أكثر إلحاحًا؛ لأن البلاد لم تكن تعاني من أزمة واحدة، بل من حزمة أزمات متداخلة: ضعف الدولة المركزية، اختلال العلاقة بين المركز والأقاليم، الانقسامات السياسية المزمنة، تراجع كفاءة الخدمة المدنية، وعدم تحديث منظومة العدالة بما يكفي من المعينات المؤسسية والتقنية والإدارية التي تعينها على سرعة الفصل وبسط الطمأنينة، إلى جانب تعدد القوى المسلحة، وانتشار السلاح، والتدهور الاقتصادي، وضعف الإنتاج، واضطراب سعر الصرف، وتراجع الخدمات، والتدخلات الخارجية، وخطاب تعبوي غذّى الشكوك والمخاوف بدل أن يبني جسور الثقة الوطنية.

ولو أن هذه المؤشرات قُرئت قراءة كلية في وقت مبكر، لما كان من الصعب إدراك أن البلاد تتحرك في اتجاه خطر. فحين تكون الدولة ضعيفة، والاقتصاد مأزومًا، والقوى السياسية متنازعة، والسلاح منتشرًا، والثقة منهارة، والإجراءات بطيئة أو مثقلة، والتدخل الخارجي حاضرًا، فإن السؤال لا يعود: هل يوجد خطر؟ بل يصبح السؤال: متى ينفجر الخطر، وبأي صورة، وفي أي موضع؟

غير أن التنبؤ هنا لا يعني ادعاء معرفة الغيب، ولا الجزم الحتمي بوقوع حدث بعينه في يوم بعينه، وإنما يعني تقدير الاحتمالات بناءً على المؤشرات. فالعلم لا يقول إن الحرب ستقع حتمًا، لكنه يقول إن احتمالها يرتفع كلما اجتمعت شروطها، كما أن الطبيب لا يجزم دائمًا بوقوع الجلطة، لكنه يعرف أن اجتماع ارتفاع الضغط والسكري والتدخين والسمنة وقلة الحركة يرفع احتمالها، ويستوجب الوقاية قبل الكارثة.

وهكذا ينبغي أن تُدار الدول. لا يجوز أن تنتظر الدولة حتى تقع الحرب ثم تسأل عن أسبابها، ولا حتى تنهار العملة ثم تبحث عن العلاج، ولا حتى تنفجر المدن بالغضب ثم تتحدث عن الإصلاح، ولا حتى تتفكك المؤسسات ثم تدعو إلى ترميمها. الدولة الرشيدة تراقب المؤشرات مبكرًا: البطالة، الفجوة بين المركز والأقاليم، تراجع سلطان القانون، انتشار السلاح، خطاب الكراهية، ضعف الثقة في المؤسسات، تعدد مراكز القرار الأمني، اضطراب سعر الصرف، هروب الاستثمارات، تراجع الخدمات، وتحول السياسة إلى خصومة عدمية لا تعترف بمساحة مشتركة للوطن.

هذه الأسئلة ليست ترفًا أكاديميًا، بل هي من صميم الأمن الوطني. فالأمن الوطني لا يعني الجيش والسلاح وحدهما، بل يعني أيضًا الخبز، والعدل، والثقة، والخدمة المدنية، والقضاء، والشرطة، والتعليم، والصحة، والإنتاج، وسعر الصرف، والطرق، والكهرباء، والاتصالات، ووحدة القرار، وطمأنينة المواطن إلى أن الدولة موجودة وعادلة وقادرة.

ومن هنا فإن بناء نظام وطني للإنذار المبكر ينبغي أن يكون من أولويات أي دولة تريد النجاة من تكرار الكوارث. وهذا النظام لا يكون جهازًا شكليًا، بل منظومة معلومات وتحليل وقرار، ترصد المؤشرات في الأقاليم والاقتصاد والمجتمع والأمن، وتصدر تقارير دورية لصانع القرار، وتقترح تدخلات عملية قبل تفاقم الأزمات. فإذا ظهر توتر اجتماعي عولج بالحوار والعدالة والتنمية. وإذا ظهر اضطراب اقتصادي عولج بسياسات كلية شجاعة لا بالترقيع. وإذا ظهرت فجوة أمنية عولجت بتوحيد السلطة الشرعية على السلاح. وإذا ظهرت مظالم تنموية عولجت بمشروعات حقيقية لا بوعود موسمية.

لكن ذلك كله لا ينجح ما لم توجد إرادة سياسية ترى الدولة كمنظومة واحدة، لا كمواقع نفوذ متفرقة. فقراءة مؤشرات الخطر تعني قبل كل شيء أن تعود الدولة إلى الدولة: قانون واحد، وسلاح واحد، ومؤسسات واحدة، وسياسة اقتصادية واضحة، وعدالة مطمئنة مدعومة بالمعينات اللازمة، وخدمة عامة لا تذل المواطن، وتنمية لا تترك الأقاليم نهبًا للتهميش، وحوار وطني لا يكون غطاءً لتدوير الأزمة، بل مدخلًا لتأسيس جديد.

إن أخطر ما في الأزمات الكبرى أن علاماتها تكون ظاهرة، ولكن العقول التي ينبغي أن تقرأها تكون مشغولة بالصراع اليومي، أو أسيرة المجاملة، أو خائفة من قول الحقيقة، أو عاجزة عن الربط بين الأسباب والنتائج. ولذلك تتراكم الأخطاء في صمت، حتى إذا انفجرت الكارثة بدا الأمر للناس كأنه مفاجأة، مع أنه كان مكتوبًا في المؤشرات، ظاهرًا في الشواهد، حاضرًا في مسار الأحداث.

ولكي لا يكرر السودان مأساته، لا بد أن ينتقل من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى إدارة أسباب الأزمات قبل انفجارها؛ من ردود الأفعال إلى الرؤية؛ من الخطاب إلى المؤشرات؛ من المعالجات الجزئية إلى الإصلاح الكلي؛ ومن تعدد مراكز القوة إلى وحدة الدولة. ولا يكون ذلك إلا ببناء دولة مؤسسات حقيقية، تقوم على سيادة القانون، ووحدة القرار، ووضوح المسؤولية، واستقلال المؤسسات، وربط القرار العام بالمعلومة الدقيقة لا بالانطباع والولاء والمجاملة.

وهنا تبرز فكرتنا المركزية: أن الوقاية من هذه الاختلالات لا تتحقق بالمواعظ السياسية وحدها، ولا بالنداءات الموسمية، ولا بالحلول الإسعافية المتفرقة، وإنما ببناء دولة المؤسسات والتحرير والحوكمة والرقمنة. فالمؤسسات تمنع تغوّل الأفراد ومراكز النفوذ، والتحرير الاقتصادي المنضبط يخرج الاقتصاد من العتمة والاحتكار والتسعير الإداري إلى فضاء الإنتاج والمنافسة والشفافية، والحوكمة تجعل القانون والمساءلة والشفافية أساسًا لإدارة المال والسلطة والموارد، والرقمنة تمنح الدولة عينًا مبصرة ترى الأرقام والاتجاهات والاختلالات في وقتها، فتقرأ المستقبل من شواهده، وتستدرك ما يفلت قبل أن يتحول إلى أزمة عامة.

إن الحرب لا تبدأ يوم تنطلق الرصاصة الأولى، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، يوم تضعف الدولة، ويغيب العدل، وينتشر السلاح، ويُترك الاقتصاد للنزيف، وتتسع فجوة الثقة، ويظن أصحاب القرار أن الوقت ما زال متسعًا. ولذلك فإن إنقاذ السودان لا يبدأ فقط بإيقاف الحرب، على عظمة هذا الهدف، بل يبدأ كذلك بفهم الطريق الذي قاد إليها، وإغلاق أبوابه، ومعالجة المؤشرات التي إن تُركت بلا إصلاح عادت فأنتجت حربًا أخرى، ولو تبدلت الأسماء واللافتات.

فالدولة المستقرة ليست دولة بلا مشكلات، وإنما هي دولة تملك نظامًا قادرًا على رؤية المشكلات قبل أن تكبر، وقياسها قبل أن تنفجر، ومعالجتها قبل أن تتحول إلى مصائر دامية. أما الدولة التي لا تقرأ مؤشرات خطرها، ولا تبني مؤسساتها، ولا تحرر اقتصادها تحريرًا رشيدًا، ولا تحكم مواردها بالشفافية والمساءلة، ولا ترقمن إدارتها ومعلوماتها، فإنها لا تسير إلى المستقبل، بل تمشي ببطء نحو هاويةٍ كان يمكن رؤيتها من بعيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى