إشتياق الكناني تكتب | كردفان.. حين تحرس الأشجار ذاكرة الأرض

في سهول كردفان الكبرى، حيث تمتد الرمال على مد البصر، وتقف أشجار التبلدي شامخة كحراس الزمن، لا تبدو الطبيعة مجرد مشهد عابر، بل تاريخًا حيًا يروي حكايات الإنسان والمكان. هناك، تتشبث الأشجار بجذورها كما يتشبث أهل الأرض بأمل العودة، وكأن كل غصن يعلن أن الحياة، مهما أثقلتها الحروب، قادرة على أن تنهض من جديد.
التبلدي في كردفان ليس مجرد شجرة ضخمة تزين الأفق، بل هو ذاكرة مجتمع كامل. في جوفه تختزن المياه لتمنح الحياة في أيام القيظ، وتحت ظلاله يجتمع الناس للتشاور والراحة وتبادل الأخبار. أما الهشاب، الذي ينسج مع الأرض علاقة لا تنفصم، فيبقى شاهدًا على مواسم الخير، ورمزًا للعطاء الذي لا ينقطع. وحين تمر الحرب من هنا، فإنها لا تحرق الأشجار وحدها، بل تحاول أن تطفئ ذاكرة المكان، غير أن جذور التبلدي والهشاب تظل أعمق من ألسنة اللهب، فتقاوم كما يقاوم أهل كردفان.
الحرب التي مرت على مدن وقرى كردفان تركت آثارًا موجعة في النفوس قبل الحجر. منازل تهدمت، وأسواق أغلقت، ومدارس خلت من تلاميذها، ومستشفيات توقفت عن أداء رسالتها. لكن الحرب، مهما طال أمدها، لم تستطع أن تنتزع من إنسان كردفان إيمانه بأن العودة حق، وأن الأرض لا تنسى أبناءها.
فالإنسان هنا لا يقيس الوطن بمساحة الأرض فحسب، وإنما بما يحمله من ذكريات. يعرف كل شارع باسمه، وكل بئر بموقعه، وكل شجرة بتاريخها. وحتى الذين أجبرتهم ظروف النزوح على الرحيل، ظلوا يحملون في قلوبهم صورة القرية والمدينة، ينتظرون اليوم الذي يعودون فيه ليفتحوا أبواب منازلهم، ويعيدوا الحياة إلى أسواقهم ومزارعهم.
إن الأمن ليس مجرد غياب لأصوات الرصاص، بل هو بداية دورة جديدة للحياة. فعندما تستقر الأوضاع في أي منطقة، تبدأ معها رحلة البناء؛ يعود المزارع إلى حقله، والتاجر إلى متجره، والمعلم إلى فصله، والطبيب إلى مستشفاه. وتدب الحركة في الأسواق، وتعلو أصوات الأطفال في المدارس، ويعود الأذان والكنائس والأسواق الشعبية لتنسج إيقاع الحياة الذي افتقدته المدن طويلًا.
وكردفان، بتاريخها وثرواتها وإنسانها، تستحق أن تكون في مقدمة مشروعات الإعمار والتنمية. فهي أرض الزراعة والثروة الحيوانية والصمغ العربي، وأرض التنوع الثقافي والاجتماعي الذي شكل عبر عقود نموذجًا للتعايش بين مكوناتها المختلفة. وما دمرته الحرب يمكن أن تعوضه الإرادة، إذا اجتمعت الجهود الرسمية والشعبية لإعادة بناء ما تهدم.
ولعل أجمل ما يميز أهل كردفان هو قدرتهم على تحويل الألم إلى قوة، والمحنة إلى بداية جديدة. فمن بين البيوت المهدمة تنبت إرادة البناء، ومن خلف الدخان يشرق الأمل، ومن قلب المعاناة تولد قصص الصبر التي صنعت شخصية هذه الأرض عبر التاريخ.
سيأتي يوم تعود فيه القرى عامرة بأهلها، وتمتلئ الأسواق بالحركة، وتستعيد المدارس ضحكات التلاميذ، وتعود أشجار التبلدي والهشاب لتظلل الأجيال القادمة كما فعلت مع آبائهم وأجدادهم. فالأرض التي حفظت أبناءها في سنوات الخير، لن تتخلى عنهم في زمن الشدة، والإنسان الذي عرف قيمة وطنه لن يفرط فيه مهما طال الغياب.
ستبقى كردفان أكبر من الحرب، وأوسع من الدمار، وأعمق من كل محاولات اقتلاعها من ذاكرتها. فكما تقف أشجارها راسخة في وجه الرياح، سيظل أهلها راسخين في حبهم لأرضهم، مؤمنين بأن الغد يحمل دائمًا فرصة جديدة للحياة، وأن الوطن، مهما أثقلته الجراح، قادر على أن ينهض من جديد عندما تتكاتف الأيدي وتلتقي القلوب حول هدف واحد: أن تعود كردفان كما كانت، أرضًا للعطاء، وموطنًا للأمل، ورمزًا للصمود الذي لا ينكسر.





