
في الأزمنة الصعبة تُختبر القيادات، وفي الظروف بالغة التعقيد يظهر معدن الرجال. واليوم، من الثغور الشرقية، يقدم الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم محمد، مدير عام قوات الجمارك، درساً في القيادة الحازمة حين أعلن أن “مكافحة التهريب خط الدفاع الأول” وأن قواته “جاهزة لكل المهددات”.
العبارة ليست للاستهلاك الإعلامي. من يتابع عمل قوات الجمارك في الشهور الماضية يدرك أن الرجل أحكم قبضته فعلاً على كل المعابر جواً وبحراً وبراً. الضبطيات النوعية التي تحدث عنها من بورتسودان، والتي شملت أسلحة وذخائر ومخدرات ووقوداً مهرباً، ليست صدفة. هي نتاج منظومة رصد دقيقة ويقظة مستمرة زرعها في نفوس منسوبيه.
أن تقود مؤسسة بحجم الجمارك في ظل تحديات اقتصادية وأمنية تعصف بالبلاد، فهذا اختبار لا ينجح فيه إلا من يملك الرؤية والصرامة معاً. الفريق صلاح أدرك مبكراً أن التهريب لم يعد “تجارة شنطة” عابرة، بل صار سلاحاً اقتصادياً يستخدم لضرب استقرار الدولة. لذلك رفع درجة الاستعداد، وشدّد الرقابة، ونزل بنفسه إلى الميدان يتفقد الثغور.
زيارته للبحر الأحمر ولقاؤه بضباط مكافحة التهريب هناك رسالة واضحة: القائد في المقدمة. لا يصدر التعليمات من برج عاجي، بل يقف مع جنوده على خط النار الأول. وهذا ما يصنع الفارق بين إدارة بيروقراطية وقيادة ميدانية تعرف أن حماية الاقتصاد تبدأ من ضبط حبة مخدر قبل أن تدخل، ومنع لتر وقود قبل أن يُهرّب.
تصريح الفريق صلاح يضع النقاط على الحروف: التهريب قضية أمن قومي قبل أن تكون قضية جمركية. كل بندقية مهربة قد تقتل مواطناً، وكل طن مخدرات يدمر شباباً، وكل برميل وقود يخرج بلا رقابة ينزف خزينة الدولة. لذلك كان ذكياً حين ربط بين دور الجمارك وبين منظومة الأمن الوطني، مؤكداً التنسيق مع المخابرات والاستخبارات العسكرية.
هذه العقلية التي ترى الصورة الكاملة هي ما تحتاجه البلاد اليوم. فالمعركة الاقتصادية لا تنفصل عن المعركة الأمنية. والنجاح في إحكام الرقابة على المنافذ يعني حماية الجنيه، وتوفير الدواء، وضمان وصول السلع للمواطن بسعرها الحقيقي.
في زمن تحاول فيه شبكات التهريب استغلال أي ثغرة، نحتاج إلى هذه “القبضة الحديدية” التي يمثلها الفريق صلاح ورفاقه. نحتاج إلى قائد يفهم أن التسامح مع المهربين خيانة للاقتصاد، وأن التهاون في المنافذ طعنة في ظهر المواطن الصابر.
تحية لقوات مكافحة التهريب وهي تسهر على الثغور. وتحية لقيادة تعرف أن هيبة الدولة تبدأ من هيبة منافذها.
فليستمر هذا النهج. لأن الاقتصاد الذي يُحرس بعيون ساهرة ورجال صادقين، لا يُهزم.





