
في كل مرة يظن السودانيون أن مساحة الألم قد بلغت منتهاها تأتي فاجعة جديدة لتؤكد أن الحرب ما زالت قادرة على صناعة المزيد من المآسي والجراح ومرة أخرى كانت دار حامد على موعد مع الحزن بعد الاعتداء الذي استهدف أبناء المنطقة وخلف شهداء وجرحى من المدنيين في مشهد أعاد إلى الأذهان صوراً مؤلمة من معاناة المواطنين الذين وجدوا أنفسهم في قلب صراع لم يختاروه ولم يكونوا طرفاً فيه.
لقد خيم الحزن على المنطقة بأسرها وارتفعت أصوات النحيب في البيوت التي فقدت أبناءها وآباءها وإخوتها بينما امتزجت دموع الأمهات بآهات الأطفال الذين استيقظوا على وقع الخوف والرصاص وما بين لحظة وأخرى تحولت حياة أسر كاملة من الأمن والاستقرار إلى دائرة من الفقد والوجع والانتظار.
إن ما جرى في دار حامد لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثة عابرة أو خبراً يمر في نشرات الأخبار ثم يطويه النسيان بل هو مأساة إنسانية حقيقية تعكس حجم المعاناة التي يعيشها المواطن السوداني في ظل استمرار النزاع وتوسع دائرة العنف فالضحايا ليسوا أرقاماً تضاف إلى قوائم الإحصاءات وإنما هم آباء وأبناء وشباب كانت لهم أحلام وطموحات ومستقبل ينتظرهم.
وقد عرفت دار حامد عبر تاريخها بأنها أرض للكرم والتسامح والشهامة وظلت تمثل نموذجاً للمجتمع السوداني المتماسك الذي يستمد قوته من قيم التعايش والتكافل الاجتماعي ولم تكن هذه المنطقة يوماً بؤرة صراع أو مصدراً للفتن بل كانت موطناً للسلام الأهلي والعلاقات الاجتماعية الممتدة التي تربط الناس ببعضهم البعض.
لكن الحرب حينما تتمدد لا تفرق بين مدينة وقرية ولا بين شيخ وطفل ولا بين امرأة ورجل إنها تترك خلفها الخراب أينما حلت وتحول حياة الناس إلى سلسلة متواصلة من الخوف والترقب وهذا ما عاشه أهل دار حامد الذين وجدوا أنفسهم يواجهون واقعاً قاسياً فرضته ظروف الحرب وتداعياتها.
إن أخطر ما في هذه الأحداث ليس فقط عدد الضحايا أو حجم الخسائر وإنما الأثر النفسي والاجتماعي العميق الذي تتركه على المجتمعات المحلية فكل شهيد يسقط يترك فراغاً في أسرته ومجتمعه وكل جريح يحمل معه قصة معاناة جديدة وكل طفل يشهد مشاهد العنف يفقد جزءاً من شعوره بالأمان والاستقرار.
واليوم وبينما يشيع الأهالي أبناءهم إلى مثواهم الأخير تتجدد الأسئلة المؤلمة حول مستقبل المناطق المتأثرة بالحرب وحول مصير المدنيين الذين أصبحوا يدفعون الثمن الأكبر من أرواحهم وممتلكاتهم واستقرارهم كما تتجدد المطالب بضرورة توفير الحماية للمدنيين ووقف الانتهاكات التي تستهدف المجتمعات المحلية وتزيد من معاناة المواطنين.
إن دار حامد وهي تودع شهداءها لا تبكي أبناءها وحدها بل يبكي معهم كل سوداني يؤمن بقيمة الإنسان وحقه في الحياة الآمنة الكريمة فالألم الذي أصاب المنطقة هو جزء من الألم الكبير الذي يعيشه الوطن بأسره والجراح التي تنزف هناك هي جراح في جسد السودان كله
ورغم قسوة المشهد فإن أبناء دار حامد عرفوا عبر تاريخهم بالصبر والثبات والقدرة على تجاوز المحن وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات القوية لا تنكسر أمام الأزمات بل تستمد منها مزيداً من العزيمة والإصرار على التمسك بأرضها وقيمها ووحدتها الاجتماعية
إن هذه اللحظات الحزينة ينبغي أن تكون مناسبة لتجديد الدعوات إلى نبذ العنف وإعلاء قيمة الإنسان السوداني والعمل من أجل وقف نزيف الدم الذي أرهق البلاد وأثقل كاهل المواطنين. فلا مستقبل يمكن أن يُبنى على أنقاض المآسي ولا استقرار يمكن أن يتحقق في ظل استمرار دائرة العنف والخوف.
فاصلة
وفي خضم هذا الحزن العميق تبقى ذكرى الشهداء حاضرة في الوجدان وتبقى تضحياتهم شاهداً على حجم المعاناة التي عاشها أبناء هذا الوطن خلال هذه المرحلة الصعبة من تاريخه كما تبقى مسؤولية الجميع أن يعملوا من أجل سودان يسوده الأمن والسلام والعدالة ويحفظ لأبنائه حقهم في الحياة الكريمة.
رحم الله شهداء دار حامد رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين ومنّ على الجرحى والمصابين بالشفاء العاجل وألهم أسر الضحايا وذويهم الصبر والسلوان. وستظل دار حامد كما كانت دائماً رمزاً للصمود والتماسك والإرادة التي لا تنكسر مهما اشتدت المحن وتعاظمت التحديات
اللهم امنا في اوطاننا





