
ليس العيد في الإسلام خروجًا من العبادة إلى الغفلة، ولا انتقالًا من الجد إلى اللهو، ولا موسمًا ينتهي فيه أثر الطاعة بمجرد تبدل اليوم ولبس الجديد وامتلاء الموائد، بل هو امتدادٌ لمعنى العبادة في صورةٍ أخرى. فكما يتعبد المؤمن بالصلاة والصيام والدعاء والذكر، فإنه يتعبد كذلك بالفرح المشروع، وبإدخال السرور على أهله، وبالتوسعة على من حوله، وبصلة رحمه، وبإطعام المحتاج، وبإظهار نعمة الله عليه من غير كبرٍ ولا إسراف.
يأتي عيد الأضحى بعد أيامٍ عظيمة امتلأت بالتكبير والذكر والدعاء، وبلغت ذروتها في يوم عرفة، حيث تقف القلوب بين يدي الله منكسرةً راجية، تسأل الرحمة والمغفرة والقبول. ثم لا يأتي العيد بعد ذلك ليقطع هذا المعنى، وإنما يأتي ليكشف أن الدين ليس حزنًا دائمًا، ولا عبوسًا في وجه الحياة، ولا انقباضًا عن الفرح، بل هو توازنٌ عجيب بين الخشوع والبهجة، وبين الدموع والابتسامة، وبين الوقوف بين يدي الله والتوسعة على عباد الله.
فالفرح في العيد ليس أمرًا زائدًا على الدين، بل هو جزءٌ من جمال الدين إذا بقي في موضعه الصحيح. يفرح المسلم لأنه شهد موسمًا من مواسم القرب، ويفرح لأن الله شرع له يومًا يظهر فيه السرور، ويفرح لأنه يوسّع على أهله وولده، ويصل رحمه، ويطعم من أضحيته، ويمد يده بالسلام لمن خاصمه، ويجعل من يوم العيد بدايةً أنقى لا مجرد عادةٍ تتكرر كل عام.
ومن هنا ينبغي أن نفهم العيد فهمًا أعمق من مظاهره الظاهرة. فالثوب الجديد جميل، لكنه لا يكفي إذا بقي القلب قديم الخصومات. والطعام الواسع نعمة، لكنه لا يكتمل إذا نُسي الفقير والجائع والقريب المحتاج. والتهاني طيبة، لكنها تفقد معناها إذا كانت كلماتٍ باردة لا تحمل صفاءً ولا عفوًا ولا رغبةً صادقة في وصل ما انقطع. والأضحية شعيرة عظيمة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مباهاةٍ اجتماعية أو سباقٍ في الصور والمظاهر، بل إلى باب رحمةٍ وتقوى وإحسان.
إن العيد اختبارٌ لطيفٌ لما تركته العبادة في النفس. فمن خرج من أيام الطاعة أكثر رحمةً، وألين قلبًا، وأحسن قولًا، وأقرب إلى أهله، وأحرص على الفقير، فقد فهم من العيد بعض معناه. أما من كبّر بلسانه ثم آذى بلسانه، وذبح أضحيته ثم ذبح مشاعر الناس بقسوته، ولبس الجديد ثم أبقى قلبه مملوءًا بالحسد والقطيعة والخصومة، فقد أخذ من العيد صورته وفاته روحه.
وليس المقصود أن يكون العيد يوم مواعظ ثقيلة تُطفئ فرحة الناس، بل المقصود أن تكون الفرحة نفسها مهذبةً بالإيمان. فالدين لا يصادر البهجة، وإنما ينقيها. لا يمنع الإنسان أن يفرح، ولكنه يمنعه أن يفرح فرحًا يؤذي غيره، أو ينسى ربه، أو يبطر نعمته، أو يجرح احدا، أو يقطع رحمًا، أو يجعل من النعمة بابًا للتفاخر والتعالي.
ومن أجمل ما في العيد أنه يعيد ترتيب العلاقات. ففي زحمة الحياة قد تتباعد القلوب، وتطول الخصومات، وتكثر المشاغل، وينسى الإنسان أقرب الناس إليه. ثم يأتي العيد كأنه فرصة سماوية لطيفة تقول للناس: راجعوا ما بينكم، افتحوا الأبواب المغلقة، ابدؤوا بالسلام، تجاوزوا الصغائر، ولا تجعلوا العناد يحرمكم بركة الصلة. فكم من قطيعةٍ كان يمكن أن تنتهي برسالة تهنئة ودودة، وكم من خصومةٍ كان يمكن أن تذوب بزيارةٍ قصيرة و اعتذار صادق، وكم من قلبٍ منكسر كان ينتظر كلمةً رقيقة في يوم العيد.
والعيد كذلك يومٌ يظهر فيه معنى الجماعة. فالمسلم لا يفرح وحده، ولا يجعل نعمته حكرًا على بيته، ولا يغلق بابه دون الناس. من روح العيد أن يشعر الجار بجاره، والقريب بقريبه، والمقتدر بالمحتاج، والصحيح بالمريض، والمقيم بالغائب، والآمن بالخائف. وما أكثر حاجتنا اليوم، في واقعٍ أثقلته الحروب والأزمات وضيق المعاش، إلى أن نعيد للعيد معناه الاجتماعي الرحيم، لا أن نجعله مناسبةً للاستهلاك والمظاهر وحدها.
وفي السودان خاصة، حيث يعاني كثير من الناس من ضيق الحال، وفقد الأحبة، وتشتت الأسر، وصعوبة الطرق، وانقطاع الخدمات، ومرارة النزوح والغلاء، يصبح العيد امتحانًا للرحمة قبل أن يكون مناسبةً للزينة. ليس كل الناس قادرين على الفرح بالطريقة نفسها، وليس كل بيتٍ فيه ما يكفي من السعة، وليس كل قلبٍ خاليًا من الوجع. ولذلك فإن من أعظم عبادات العيد أن نرفق بالناس، وأن لا نكسر خواطرهم بالمباهاة، وأن لا نزيد ألم المحروم بعرض النعمة على وجه الاستعلاء، وأن نجعل من فرحتنا جسرًا إلى غيرنا لا سورًا يفصلنا عنهم.
والأضحية في هذا المعنى ليست طعامًا فحسب، بل رسالة رحمة. حين يصل لحمها إلى بيتٍ ضاق رزقه، أو إلى أسرةٍ لم تقدر على الأضحية، أو إلى جارٍ مستور لا يسأل الناس، فإن الشعيرة تتحول من فعلٍ فردي إلى معنى اجتماعي واسع. وهنا يظهر جمال الإسلام؛ إذ لا يترك العبادة حبيسة العلاقة الفردية بين العبد وربه، بل يجعل أثرها ممتدًا في حياة الناس: طعامًا، ورفقًا، وصلةً، ومودةً، وتخفيفًا عن المحتاجين.
ومن فقه العيد أيضًا ألا يتحول إلى إسرافٍ يذهب بروحه. فليس من شكر النعمة أن تُهدر، وليس من الفرح أن يتحول الطعام إلى تبذير، ولا من التوسعة أن يدخل الإنسان في كلفةٍ تثقل ظهره بعد أيام. العيد جماله في البركة لا في المبالغة، وفي الصفاء لا في الكثرة، وفي إدخال السرور لا في إرهاق النفس بما لا تطيق. وقد يكون بيتٌ قليل النفقة أكثر عيدًا من بيتٍ كثير المظاهر، إذا امتلأ الأول بالمودة والرضا، وفرغ الثاني من السكينة والرحمة.
وما أحوجنا في يوم العيد أن ننتبه إلى ألسنتنا. فكثير من بركة العيد تضيع بكلمة جارحة، أو مقارنة مؤذية، أو سؤال ثقيل، أو تعليق على حال إنسان أو غياب شخص أو تأخر زواج أو ضيق رزق. العيد يوم جبر خواطر، لا يوم تفتيش في أوجاع الناس. ومن لم يستطع أن يحمل إلى غيره هديةً أو مالًا، فليحمل إليه كلمة طيبة، وبسمة صادقة، ودعاءً نقيًا، وسلامًا لا أذى فيه.
إن العيد الحقيقي لا يقاس بعدد الذبائح، ولا بثمن الملابس، ولا بكثرة الصور، ولا بسعة المائدة، وإنما يقاس بما يحدث في القلب والبيت والمجتمع. هل خرجنا من العيد أكثر قربًا من الله؟ هل سامحنا من نستطيع مسامحته؟ هل وصلنا رحمًا مقطوعة؟ هل أدخلنا سرورًا على طفل أو فقير أو مريض أو وحيد؟ هل خففنا عن أهلنا بدل أن نزيد عليهم؟ هل شكرنا النعمة بدل أن نستهلكها بلا وعي؟
هكذا يصبح العيد عبادةً واسعة: تكبيرٌ يطهّر اللسان، وصلاةٌ تجمع القلوب، وأضحيةٌ تطعم الناس، وزيارةٌ تصل الأرحام، وابتسامةٌ تجبر الخواطر، وعفوٌ يطفئ الخصومات، وفرحٌ لا ينسى الله ولا ينسى عباد الله.
فليكن عيد الأضحى هذا بدايةً لمعنى يبقى بعد أن تنقضي أيامه. فالثياب ستُطوى، والموائد سترفع، والتهاني ستخفت، لكن الذي ينبغي أن يبقى هو قلبٌ أرحم، ولسانٌ أطيب، وبيتٌ أدفأ، وصلةٌ أقوى، وشعورٌ أعمق بأن الفرح حين يكون لله وبالله ومع عباد الله، يصبح عبادةً لا تقل أثرًا عن كثيرٍ من صور الطاعة الظاهرة.
كل عامٍ والقلوب أصفى، والبيوت أرحم، والأرحام أوصل، والفرحة أنقى، والبلاد أقرب إلى الأمن والعافية والستر والنهضة.





