
في مرحلة التعافي وإعادة بناء مؤسسات الدولة، تكتسب القرارات الإدارية وزنًا يتجاوز حدودها التنظيمية، لأن الموارد محدودة، والزمن ثمين، وأثر كل قرار ينعكس مباشرة على كفاءة المؤسسة وخدمة المواطنين.
لذلك لا يكون السؤال: من ينبغي أن نُرضيه؟ بل: من يستطيع أن ينجز؟
وهنا يبرز الفرق بين العدالة والمساواة. فالمساواة تعني أن تتاح الفرصة للجميع، أما العدالة فتعني أن تُسند المسؤولية إلى من يملك القدرة على تحقيق أفضل أثر فيها. فالمسؤولية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لإنجاز مهمة تخدم المؤسسة والمجتمع.
وهذا ما نلمسه في حياتنا اليومية. فالمريض يبحث عن الطبيب الأقدر على علاجه، ولا يسأل إن كان دوره قد حان. وعندما يُعاد تأهيل جسر، أو محطة مياه، أو مستشفى، فإن نجاح المشروع يعتمد على كفاءة من يقوده، لا على عدد من شاركوا في قرار تكليفه.
وتجارب الإدارة، في القطاعين العام والخاص، تكاد تجمع على أن حسن اختيار الشخص المناسب للمهمة المناسبة هو أحد أكثر القرارات تأثيرًا في نجاح المؤسسات. فالاختيار السليم يختصر الوقت، ويحسن استثمار الموارد، ويجنب المؤسسة كثيرًا من التعثر الذي يصعب تداركه لاحقًا.
ومن هنا، فإن إسناد المسؤولية ليس مكافأة تُمنح، ولا امتيازًا يُوزع، وإنما قرار مؤسسي يرتبط بطبيعة المهمة وما تتطلبه من خبرة وقدرة على التنفيذ. فالاختيار غير المناسب لا يرهق المؤسسة وحدها، بل قد يحمّل المجتمع كله تكلفة قرار كان يمكن تجنبها.
ولهذا فإن العمل المؤسسي لا يرتبط بعدد المشاركين بقدر ارتباطه بجودة التنفيذ. فقد تكون لجنة متخصصة هي الخيار الأنسب، وقد يحقق فريق عمل محدود النتيجة المطلوبة بكفاءة أعلى، وقد تستدعي طبيعة المهمة مسؤولًا تنفيذيًا واحدًا يتحمل مسؤوليتها كاملة. ويبقى المعيار في جميع الأحوال واحدًا: أي الخيارات يحقق أفضل نتيجة؟
والكفاءة لا تُقاس بما يقال عنها، وإنما بما يحققه صاحبها من نتائج. فالخبرة، والقدرة على الإنجاز، وجودة المخرجات، وتحمل المسؤولية، هي المعايير التي تمنح الثقة معناها الحقيقي. وعندما تصبح هذه المعايير أساسًا لإسناد المسؤوليات، يدرك الجميع أن الإنجاز هو الطريق الطبيعي لتحمل المسؤولية.
أما حين تُبنى قرارات التكليف على اعتبارات لا ترتبط بمتطلبات العمل، فإن المؤسسة تبدأ تدريجيًا في فقدان فاعليتها، مهما كانت النوايا حسنة. وقد لا تظهر آثار ذلك فورًا، لكنها تتراكم مع الوقت حتى تصبح معالجة الأخطاء أكثر كلفة من تجنبها منذ البداية.
وفي مرحلة إعادة الإعمار يكتسب هذا المبدأ أهمية مضاعفة. فكل قرار ناجح يختصر زمن التعافي، وكل قرار غير موفق يهدر موارد، ويؤخر استعادة الخدمات، ويؤثر في ثقة المواطنين بمؤسساتهم.
ولا يتعارض ذلك مع إتاحة الفرص أمام الجميع، بل يؤكدها. فالمؤسسة الناجحة هي التي توسع دائرة الكفاءات من خلال التدريب والتأهيل ونقل الخبرات، حتى يصبح باب المسؤولية مفتوحًا لكل من يطور نفسه ويثبت جدارته.
فالكفاءة ليست صفة دائمة، وإنما مسؤولية تتجدد مع كل مهمة. والثقة المؤسسية لا تُبنى بالوعود، بل بالنتائج التي يلمسها الناس في جودة الخدمات وكفاءة الأداء.
وعندما تصبح الجدارة معيار الاختيار، تتحول المؤسسة من ساحة للتنافس على المواقع إلى بيئة للتنافس على الإنجاز، ويصبح نجاح الفرد إضافة لقدرة المؤسسة، ويصبح نجاح المؤسسة رصيدًا للدولة كلها.
وفي نهاية المطاف، فإن قوة المؤسسات لا تُقاس بعدد المناصب التي تُوزع، وإنما بقدرتها على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، في الوقت المناسب. فالمناصب قد تأتي بقرار، لكن الكفاءة لا يثبتها إلا العمل، والثقة لا يحفظها إلا الإنجاز المتجدد. وعندما يصبح هذا هو المعيار، تكسب المؤسسة أفضل كوادرها، ويكسب المجتمع مؤسسات أكثر قدرة على أداء رسالتها.
م. الصادق عباس نجّار
مهندس معماري | مخطط عمراني
باحث في قضايا التعافي الحضري وإعادة الإعمار





