مقالات

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾… شقاءٌ بالبعد ونعيمٌ بالقرب

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

يبحث الإنسان، منذ أن يبدأ وعيه بالحياة، عما يسكن قلبه ويمنحه الأمان؛ فيطلب الحب في الناس، والسعادة في المال، والطمأنينة في الاستقرار، والقيمة في النجاح، والأنس في الصحبة. وقد ينال من ذلك كثيراً، لكنه يظل يشعر بأن شيئاً ما لم يكتمل؛ لأن في القلب حاجة لا يسدها مال، ووحشة لا يزيلها ازدحام الناس، وشوقاً لا يطفئه محبوب محدود.

وما من غاية أسمى من معرفة الله، ولا حب أطهر وأبقى من محبته؛ فكل محبوب من الخلق محدود، قد يتغير أو يغيب أو يفارق، ويعجز، مهما صدق حبه، عن رد القضاء أو ضمان البقاء. أما الله سبحانه فهو الحي الذي لا يموت، والباقي الذي لا يزول، والرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، والكريم الذي لا تنفد خزائنه، واللطيف الذي يبلغ لطفه عبده من حيث لا يعلم.

وليست محبة الله شعوراً عابراً، ولا كلمات ترددها الألسن من غير أثر، وإنما أن يكون رضاه أحب إلى الإنسان من هواه، وأمره مقدماً على رغبته، وأن يجد في ذكره أنسه، وفي مناجاته راحته، وفي التوكل عليه قوته. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾؛ فالقلب إذا عرف ربه حق المعرفة لم يجد أحداً أحق بالمحبة منه.
والله سبحانه أحق بكل حب، وهو الذي خلق ما في الكون من جمال، وأودع في النفوس الرحمة والمودة والحنين.

وما أعذب قول الشاعر:
فليتَكَ تحلو والحياةُ مريرةٌ
وليتَكَ ترضى والأنامُ غضابُ
إذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هيّنٌ
وكلُّ الذي فوق التراب ترابُ
فإذا رضي الله هانت مرارة الحياة، وإذا صلح ما بين العبد وربه لم تضره تقلبات الدنيا ولا اضطراب ما بينه وبين الناس؛ لأنه وجد القرب الذي لا يعقبه فراق.
وليس الخطأ أن يحب الإنسان أهله وولده وأصدقاءه ووطنه، فهذه محاب فطرية مشروعة، وإنما الخطر أن يمنح مخلوقاً منزلة لا تليق إلا بالخالق، فيعلق به سعادته كلها، ويجعل وجوده شرطاً لطمأنينته. عندئذ يتحول الحب من نعمة إلى قيد؛ لأن ما تعلق به قابل للتغير والزوال.

أما من أحب الناس في الله، فإنه يحبهم حباً صافياً رحيماً من غير أن يستعبدوه، ويفرح بقربهم من غير أن ينسى أنهم راحلون، ويحزن لفراقهم من غير أن ينقطع رجاؤه؛ لأن الباقي وحده هو الله. وبذلك يتحرر القلب من عبودية الأشخاص والأشياء، من غير أن يفقد دفء المحبة الإنسانية.
ولا تعني محبة الله أن تختفي الأحزان، أو ألا يصيب الإنسان مرض أو خسارة أو فراق؛ فقد ابتلي الأنبياء، وهم صفوة الخلق وأقربهم إلى الله، وبكى يعقوب حتى ابيضت عيناه من الحزن، وفقد النبي صلى الله عليه وسلم أحبابه، وأوذي وطرد وحوصر. لكن محبة الله تمنع الألم من أن يتحول إلى يأس، والحزن من أن يصير اعتراضاً، والفقد من أن يصبح نهاية للحياة.

فالمؤمن لا يسعد لأنه بمنأى عن البلاء، وإنما لأنه لا يواجهه وحده؛ يستشعر معية الله، ويرجو رحمته، ويحسن الظن بحكمته، ويوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾؛ فالطمأنينة لا تعني انعدام المشكلات، بل سكون القلب إلى الله في قلبها.
وفي المقابل قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. والضنك ليس دائماً فقراً في المال، بل قد يكون ضيقاً في الصدر، ووحشة في الروح، وقلقاً لا يعرف صاحبه مصدره، وشعوراً بأن كل ما يملكه عاجز عن منحه المعنى الذي يبحث عنه.

وليس كل ما يبدو نعيماً سعادةً، وليس كل ألم شقاءً؛ فقد تجتمع للإنسان الأموال والأولاد والجاه وأسباب الراحة، ثم يعيش في داخله خوفاً وقلقاً؛ لأنه انقطع عن مصدر السكينة. وقد أشار القرآن إلى نعيم قد ينقلب عذاباً فقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
وقد يعيش المؤمن في مرض أو فقد أو ضيق، ومع ذلك يجد في قربه من الله من السكينة والرضا ما يجعله أسعد ممن ملك الدنيا وفقد طمأنينة القلب. فبالبعد عن الله يشقى الإنسان في قلب النعيم، وبالقرب منه ينعم قلبه في قلب الشقاء؛ لأن السعادة الحقيقية ليست فيما يحيط بالإنسان وحده، وإنما فيما يسكن قلبه.

وقد عبّر ابن القيم عن هذه الحقيقة بقوله: «في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته». فالإنسان قد يحاول جمع شتات نفسه بكثرة الأشغال والممتلكات والعلاقات، لكن شعث القلب لا يلتئم إلا حين يعرف وجهته.
فالقلوب تتعب حين تطلب من الناس ما لا يقدر عليه إلا الله، وتنكسر حين تنتظر من الدنيا أن تكون جنة كاملة، وهي دار نقص وابتلاء. أما إذا أقبلت على الله، عادت الأشياء إلى أحجامها الصحيحة؛ فلا تصبح الخسارة نهاية، ولا النجاح غروراً، ولا مدح الناس حياة، ولا ذمهم موتاً، ولا العطاء وحده دليلاً على الرضا، ولا المنع دليلاً على الهجر.

ومن أبلغ ما جاء في مناجاة ابن عطاء الله السكندري قوله: «إلهي، ماذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟». فمن وجد هداية الله وولايته ومعيته لم تضره وحشة الطريق، ومن فقد صلته بالله لم تغنه كثرة ما يملك.
ومن أحب الله لم تعد عبادته واجباً ثقيلاً، بل تصبح الصلاة موعداً للراحة، والقرآن خطاباً يوقظ قلبه، والدعاء نجوى يسكب فيها ضعفه، والذكر زاداً يعينه على أعباء الحياة. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا بلال، أقمِ الصلاة، أرحنا بها».

ومحبة الله لا تنال بمجرد الدعوى، وإنما تنمو بالمعرفة والطاعة والذكر والتأمل في آلائه؛ فكلما عرف العبد أسماء ربه وصفاته، وتأمل رحمته وستره وحلمه ولطفه، ازداد حباً له. ويرى في عمره كم من بلاء صرفه الله عنه، وكم من عيب ستره، وكم من باب أغلقه فكان في إغلاقه نجاته، فيدرك أن نعم الله ليست فقط فيما أعطى، بل كذلك فيما منع ودفع من الشر.
ومن علامات صدق المحبة أن يرضى الإنسان عن ربه إذا أصابه ضر أو نزل به بلاء؛ لا بمعنى أن يستحسن الألم لذاته، أو يترك السعي إلى دفع الضرر وعلاج المرض ومقاومة الظلم، وإنما أن يرضى بحكمة ربه وعدله ورحمته، ويأخذ في الوقت نفسه بالأسباب. فالرضا ليس استسلاماً للعجز، والتوكل ليس تركاً للعمل، وإنما أن تبذل ما تستطيع، ثم تسلّم قلبك لمن بيده النتائج.
ومن تعلق بالله لم يعد ينتظر أن تكتمل الدنيا كي يسعد، فالدنيا لا تكتمل لأحد، وإنما يجد في كل حال باباً إلى ربه: ففي النعمة باب الشكر، وفي البلاء باب الصبر، وفي الذنب باب التوبة، وفي الوحدة باب المناجاة، وفي الحيرة باب الاستخارة، وفي الخوف باب التوكل، وفي الفقد باب الرجاء.

وغاية هذا الحب ليست السكينة في الدنيا وحدها، وإنما الفوز برضا الله ولقائه في الآخرة؛ فهناك تزول الأكدار، وينتهي المرض والفراق والخوف، ويصدق وعد الله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وليس بعد رضا الله غاية، ولا فوق قربه منزلة.
فأحبب من شئت من خلق الله، وأحسن إليهم، واصدق في مودتهم، ولكن لا تجعل في القلب نداً لله، ولا تعلق سعادتك بما يفنى. واجعل الحب الأكبر والأعمق والأبقى لمن خلقك ورزقك وسترك وهداك، وإليه مصيرك؛ فمن صلحت صلته بالله فقد ظفر بأصل الخير، ومن فقدها لم تعوضه الدنيا وإن اجتمعت بين يديه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى