مقالات

إشتياق الكناني تكتب | القابلة عروس.. حين عاد العيد ليزهر في قلوب السودانيين

القابلة عروس”.. هكذا جاءت التهنئة هذه المرة، بسيطة وعفوية لكنها مختلفة، تحمل شيئًا من الدفء الذي افتقدناه طويلًا، وشيئًا من الطمأنينة التي غابت عن البيوت السودانية منذ أن فرّقتها الحرب وأتعبتها الطرقات ومواجع الرحيل. كانت الكلمات هذه المرة هادئة، مطبطبة على القلب، كأنها يد أم تربت على كتف ابنها بعد غياب طويل.

عاد العيد هذا العام مختلفًا، أو ربما عدنا نحن إليه بقلوب أكثر احتياجًا للفرح. عاد برونقه القديم، ببهاء الأمنيات الصادقة، وبرائحة القهوة في الصباحات السودانية، وبأصوات الضحكات التي حاول الحزن طويلًا أن يخفتها. بعد شهور طويلة من النزوح واللجوء والتشتت، تغيرت فيها ملامح المدن والوجوه والأحاديث، جاء العيد وكأنه فرصة صغيرة لترميم ما تصدع داخل النفوس.

في السنوات الماضية، لم تكن الأحاديث تشبهنا. كانت مليئة بالدموع، مثقلة بأخبار الفقد، تحاصرها صور البيوت المهدمة والطرقات الخالية والقلوب المكسورة. كل أسرة سودانية تقريبًا حملت نصيبها من الوجع؛ من فقد الأحبة، أو ضياع الممتلكات، أو الغربة القاسية التي فرضتها الظروف. حتى التهاني كانت تخرج مرتبكة، خائفة من أن تلامس جرحًا مفتوحًا في قلب أحدهم.

لكن هذا العيد جاء بصورة مختلفة قليلًا. ليس لأن الحرب انتهت، ولا لأن الوجع اختفى تمامًا، بل لأن السودانيين تعبوا من الحزن، وقرروا أن يتمسكوا بأي نافذة صغيرة للفرح. وكأن العيد جاء هذه المرة ليقول لهم إن الحياة، مهما أثقلتها المآسي، لا تزال قادرة على منحهم لحظة سلام.

في ذلك الصباح، دخلت “الخالة” علينا مبتسمة، تحمل روح السودانيين القديمة في المطايبة والتبريكات. كانت تضحك بصدق، وكأنها تستعيد جزءًا من عمرها الذي سرقته سنوات النزوح. جلست بيننا هادئة، ترتشف كوب القهوة ببطء، تتأمل المكان والوجوه والجدران، كأنها تتأكد أن الوطن ما زال هنا، وأن رائحة البيوت السودانية لم تغادر الذاكرة.

كانت بين كل رشفة وأخرى تطلق تنهيدة طويلة، لكنها هذه المرة لم تكن تنهيدة ألم فقط، بل تنهيدة شوق ومحبة وامتنان. كانت تتحدث عن رائحة التراب بعد المطر، وعن أصوات الجيران صباح العيد، وعن تفاصيل صغيرة لا يلاحظها المقيمون لكنها تعني الكثير لمن عاشوا الغربة قسرًا. قالت بصوت خافت: “البلد دي رغم التعب، ما عندها شبيه”.

حينها فقط أدركنا أن العيد ليس في الملابس الجديدة، ولا في كثرة الطعام، ولا حتى في الطقوس المعتادة، بل في هذا الشعور الخفي بالأمان، في اجتماع الأحبة بعد طول غياب، وفي القدرة على الضحك مرة أخرى دون خوف.

العيد يأتي ليصالح السودانيين مع الحياة. يأتي ليقول للمتعبين من رهق الطريق إن الرحلة مهما طالت لا بد أن تنتهي. يأتي ليخفف عن الذين أثقلتهم الحرب وظلم القريب قبل البعيد، ويمنحهم مساحة صغيرة للتنفس والأمل.

ورغم كل شيء، ما زال السودانيون قادرين على صناعة الفرح من أبسط التفاصيل. ما زالت النساء يجهزن القهوة بروح المحبة نفسها، وما زالت البيوت تفتح أبوابها للضيوف، وما زالت الدعوات الصادقة تخرج من القلوب بأن يحفظ الله البلاد والعباد.

هذا العيد ربما ليس كاملًا كما كان في السابق، لكنه حقيقي جدًا. يحمل وجع الناس وفرحتهم معًا، ويحمل حنينهم الكبير لوطن يستحق السلام. وربما أجمل ما فيه تلك الابتسامة الصادقة التي تراها على وجوه السودانيين اليوم؛ ابتسامة تشبه النجاة بعد تعب طويل، وتشبه الأمل الذي يرفض أن يموت مهما اشتدت العتمة.

فالعيد، في النهاية، ليس يومًا عابرًا، بل فرصة جديدة لأن نحب هذه البلاد أكثر، وأن نؤمن أن السودان، رغم كل ما مر به، لا يزال قادرًا على النهوض من جديد.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى