
يكشف هذا التحقيق ، استناداً إلى وثائق وبيانات مسربة، آليات نجاح قيادة مليشيا قوات الدعم السريع في بناء هيكل مالي موازٍ داخل الأراضي الكينية، مستغلةً ثغرات المنظومة القانونية والاقتصادية لتأمين تدفقات لوجستية مستدامة. ولم يكن هذا التمدد المالي ليتحقق لولا تسهيلات قدمتها شبكات فساد محلية وفرت الغطاء الإداري والأمني لحماية هذه الثروات وتمريرها. يستعرض الملف أبعاد التغلغل الاستثماري للمليشيا في مفاصل الاقتصاد الكيني، وكيف تحولت ميزات السيادة الوطنية هناك إلى أدوات تجارية تُوظف مباشرة لتمويل العمليات العسكرية المستمرة واستهداف المدنيين في السودان.
▪️ بوابة نيروبي.. لغسيل أموال الحرب
تؤكد البيانات والوثائق الحصرية المتقاطعة من مصادر رقابية، تحول العاصمة الكينية نيروبي إلى المركز المالي الأول لإدارة الاستثمارات والتدفقات النقدية التابعة لمليشيا الدعم السريع خارج الحدود السودانية منذ اندلاع الحرب. هذا الوجود لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة خطط وضعتها كوادر مالية متخصصة تتبع للمليشيا، عمدت إلى استغلال المزايا اللوجستية التي توفرها البيئة الاقتصادية الكينية المنفتحة على الأسواق العالمية.
وعبر تتبع مسارات الأموال المتدفقة من الخرطوم ودارفور، يتضح تفوق الشبكة المالي؛ حيث وجدت ملايين الدولارات المتأتية من نهب المصارف وتصدير الذهب غير المشروع طريقها إلى الحسابات المصرفية في نيروبي، لتشكل القاعدة الأساسية التي انطلقت منها الأنشطة الاستثمارية للمليشيا، متجاوزةً آليات الرقابة المالية ومستفيدة من مرونة الأنظمة البنكية في شرق أفريقيا، مما سمح بتأمين تمويل مستمر للعمليات العسكرية.

وتُظهر المؤشرات الرقمية الواردة في التحقيقات ضخ النخبة المالية التابعة للمليشيا ما يتجاوز 180 مليون دولار خلال الـ 12 شهراً الأولى من الحرب لدمجها في السوق الكيني؛ حيث وفرت البيئة المصرفية غطاءً لتمرير تلك الكتل النقدية، مسببةً نمواً بنسبة 35% في حجم الإيداعات مجهولة المصدر لعملاء أجانب في 4 بنوك تجارية كبرى بقلب نيروبي، وهو ما مكن المليشيا من حماية أصولها وتوفير سيولة مستمرة لتغذية النزاع.
▪️ شركات الواجهة.. تمرير الثروات المشبوهة
وبهدف حماية هذه التدفقات، أسست المليشيا شبكة من الشركات الصورية والواجهات التجارية المسجلة رسمياً لدى مسجل الشركات الكيني تحت مسميات لأنشطة عامة، مثل الاستيراد والتصدير، والمقاولات، والاستشارات التجارية. هذه الكيانات لا تمارس أعمالاً حقيقية، بل تقتصر وظيفتها على توفير مظلة قانونية لتمرير واستقبال مئات الملايين من الدولارات المرتبطة بقادة المليشيا وعائلاتهم.
وتكشف سجلات المساهمين في هذا السياق عن استخدام أسماء تجار محليين ووسطاء كينيين، إلى جانب حملة أسهم يحملون جنسيات مزدوجة، بغرض التعمية على الملاك الفعليين وتجنب إثارة الشبهات حول الهوية السودانية للمستثمرين. وتعمل هذه الشركات كقنوات دفع وسيطة تتيح للمليشيا شراء المعدات والأجهزة الحساسة من الأسواق الدولية وشحنها تحت غطاء مدني، مما يلتف على العقوبات الدولية ويمنح المليشيا قدرة على المناورة البنكية وتدوير أصولها.
ويقود هذا التتبع إلى رصد تسجيل 42 شركة واجهة جديدة بين عامي 2023 و2025 تولت مكاتب محاماة ومحاسبة كينية هندستها وتوفير الحماية القانونية لها، حيث جرى فتح 115 حساباً مصرفياً محلياً وزعت عليها المليشيا الكتل النقدية بمبالغ لا تتجاوز 10 آلاف دولار لكل عملية تفادياً لآليات الرقابة التلقائية، مما عطل رصد وحدة الاستخبارات المالية الكينية لهذه التحركات.
▪️ جوازات السفر.. شراء الحصانة السيادية
لم تتوقف الاستراتيجية المليشياوية عند واجهات الشركات، بل امتدت لتشمل اختراق الأجهزة المسؤولة عن الهجرة والجنسية في كينيا، حيث تمكن أفراد بارزون من عائلة دقلو وقادة مليشيا الدعم السريع، وعلى رأسهم القوني حمدان دقلو، من الحصول على جوازات سفر ووثائق هوية كينية رسمية. هذا الاختراق، الذي تم بتسهيل من مسؤولين في إدارة الهجرة بنيروبي مقابل منافع مالية كبيرة، منح قادة المليشيا هويات جديدة مكنتهم من السفر والتنقل عبر المطارات الدولية دون قيود، والالتفاف على بروتوكولات مكافحة غسيل الأموال التي تفرض رقابة صارمة على حاملي الوثائق السودانية.
ونتيجة لهذا التلاعب، تحول الجواز الكيني من وثيقة سيادية إلى أداة تمنح قادة المليشيا غطاءً أمنياً وقانونياً سمح لهم بفتح الحسابات البنكية الشخصية وتأسيس المجموعات الاستثمارية في كينيا وخارجها دون أن تكتشفهم أنظمة الامتثال المصرفي العالمية.
وتكشف تفاصيل الوثائق المسربة في هذا الصدد استخراج شبكة التسهيلات 14 جواز سفر بيومترياً من الفئة “أ” لقيادات الصف الأول، مصحوبة بتزوير شهادات الميلاد

والأرقام الوطنية الكينية لتبدو مطابقة لبيانات رجال أعمال محليين، مما أتاح لعناصر المليشيا توقيع 28 عقداً استثمارياً دولياً باسم الدولة الكينية، وهو ما يمثل توظيفاً صارخاً للسيادة الوطنية لصالح تمويل الحروب.
▪️ العقارات الفاخرة.. مخزن آمن للأموال
تصب مسارات هذه الأموال المستحدثة مباشرة في قطاع العقارات الكيني, الذي شهد تدفقات مالية هائلة من قِبل شبكات المليشيا، حيث تركزت عمليات الشراء والاستحواذ في الأحياء السكنية والتجارية الأكثر فخامة في العاصمة نيروبي وضواحيها. وقامت الكيانات الواجهة التابعة
للمليشيا بشراء أبراج سكنية كاملة، ومجمعات مكتبية، وفنادق، وتدوين ملكيتها بأسماء شركات محلية أو عبر صناديق ائتمانية يصعب تتبع مستفيديها الفعليين.
ويشكل هذا الاستثمار في الأصول العقارية الثابتة ركيزة أساسية في هندسة الأصول التي تعتمدها المليشيا؛ إذ يهدف إلى تحويل الثروات النقدية الناتجة عن تجارة الذهب غير المشروع والنهب إلى أصول مادية مستقرة ترتفع قيمتها بمرور الوقت وتكون بعيدة عن متناول قرارات التجميد والمصادرة الدولية، مما يضمن خلق مصدر دخل وتدفق نقدي متجدد يخدم أنشطتها.
وبموازاة هذا التغلغل، تمدد النفوذ العقاري ليشمل الاستحواذ على 18 برجاً تجارياً وسكنياً في حي “كيليليشوا” و”كيليماني”، بقيمة سوقية إجمالية بلغت 84 مليون دولار، حيث تم ضخ 60% من قيمة هذه الصفقات عبر تحويلات نقدية مباشرة بواسطة 7 شركات وسيطة محليّة، مما ساهم في رفع أسعار العقارات الفاخرة بنيروبي بنسبة 22% خلال عامين، بينما تعتمد المليشيا على عوائد هذه الإيجارات المليونية.
▪️ تجارة الذهب وتهريب الثروات الوطنية
إلى جانب العقارات، تمثل نيروبي محطة رئيسية لعمليات تهريب وتجارة الذهب السوداني الذي تسيطر المليشيا على مناجمه، حيث يتم نقل كميات من المعدن النفيس عبر رحلات طيران خاصة وطرق برية لتدخل الأراضي الكينية دون خضوعها للجمارك أو الرقابة الرسمية. وفي نيروبي، يتم إعادة صهر الذهب وتغيير منشأه القانوني عبر شركات تصفية محلية، ليصدر بعدها إلى الأسواق العالمية باعتباره ذهباً كينياً.
وتمنح هذه العملية الدائرية المليشيا سيولة نقدية فورية بالعملات الأجنبية كالدولار واليورو، ويجرى إيداع هذه العائدات في الحسابات البنكية للشركات الواجهة بنيروبي، مما يعطي المليشيا مرونة مالية للإنفاق على الإمدادات العسكرية وشراء الولاءات والدعاية، في وقت يتعرض فيه الاقتصاد السوداني للتدمير جراء الحرب، مما يعكس الأثر المباشر لهذه الأنشطة على استقرار السودان.
وفي السياق نفسه، تؤكد التحقيقات الميدانية تهريب المليشيا ما يقدر بـ 12.5 طناً من الذهب إلى كينيا عبر رحلات غير مسجلة هبطت في مطارات ثانوية، حيث تولت 3 مصافي محلية إعادة صياغته لتغيير شهادات المنشأ، مما وفر للمليشيا سيولة بلغت 750 مليون دولار استُغلت 15% منها لتمويل 5 مكاتب علاقات عامة وإعلامية تعمل من نيروبي لتوجيه الرأي العام وتزييف الحقائق السياسية.
▪️ المسؤولون المحليون وتسهيل الفساد المؤسسي
يرتبط هذا التمدد المالي واللوجستي مباشرة بشبكة من المسؤولين في مكاتب الهجرة والوزارات في كينيا، والذين قدموا تسهيلات غير قانونية للمليشيا مقابل الحصول على منافع مالية ومكاسب شخصية. ووفر هؤلاء المسؤولون
الحماية للمستثمرين التابعين للمليشيا، متدخلين لتعطيل أي تحقيقات رقابية أو أمنية قد تفتحها الأجهزة الكينية بشأن مصادر هذه الأموال أو طبيعة الكيانات التجارية الناشئة.
ولم يقتصر هذا التواطؤ على تسهيل المعاملات الورقية، بل امتد ليتيح لقادة المليشيا منصات للتنقل وعقد اللقاءات السياسية والتجارية في نيروبي، مما يوضح عمق الاختراق الذي حققته أموال المليشيا داخل مفاصل الإدارة الكينية، متجاوزة القوانين الوطنية والالتزامات تجاه الشعب السوداني الذي يعاني من التشريد والنزوح المستمر.
وقد أفضى هذا الفساد المنظم إلى رصد تقاضي 9 مسؤولين في مصلحة الهجرة والجمارك لرشاوي وعمولات بلغت قيمتها المرصودة 4.2 مليون دولار، مما سمح بخلق مراكز قوى موازية في نيروبي، يتحرك فيها قياديو المليشيا بمرافقة أمنية رسمية ومحمية من أي ملاحقة قضائية محلية، مما جعل كينيا شريكاً لوجستياً في استمرار النزاع.
▪️ الملاذ المالي والإفلات من العقوبات
وعلى هذا النحو، تحولت البنية التحتية المالية لكينيا إلى منصة خلفية يعتمد عليها قادة مليشيا الدعم السريع للإفلات من العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ فالقرارات الدولية التي تستهدف تجميد حسابات الأفراد أو حظر شركات المليشيا تضعف فاعليتها عندما تصطدم بالجدار المالي الكيني، حيث تتحرك الأموال وتدار العمليات الاستثمارية بأسماء وهويات كينية بديلة ومستعارة لا تقع تحت طائلة المراقبة الدولية.
ويتيح هذا الملاذ المالي للمليشيا الحفاظ على استمرار تدفق الإمدادات والخدمات اللوجستية الضرورية لعملياتها في الميدان، حامياً إياها من التأثر بالعزلة الدولية المفروضة عليها، مما يوضح تفوق الحيل المالية على العقوبات التقليدية الفردية التي لم تعد كافية لوقف الحرب ما لم يتم تجفيف هذه الجيوب الاستثمارية المتجذرة in البيئات الفاسدة.
وتكشف التقارير الموثقة في هذا الإطار استخدام المليشيا لـ 3 تطبيقات كينية للدفع الرقمي والتحويلات لتمرير صفقات عسكرية بقيمة 33 مليون دولار بعيداً عن نظام “سويفت” الدولي، وهو ما يفسر نجاح المنظومة المالية لكينيا في تشكيل الثغرة الالتفافية الأكبر بنسبة 90% ضد حزم العقوبات المفروضة من وزارة الخزانة الأمريكية.
▪️ مطالب دولية بفرض عقوبات شبكية
أمام هذه الشواهد، تصاعدت الضغوط والمطالبات الصادرة من المنظمات الحقوقية والهيئات الرقابية، مثل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكية (OFAC)، بضرورة إحداث تحول في استراتيجية العقوبات الدولية عبر الانتقال من العقوبات الفردية إلى “العقوبات الشبكية” الموسعة.
وتستهدف هذه العقوبات المقترحة بشكل مباشر كافة الوسطاء القانونيين، والمحاسبين، والمسؤولين الكينيين المتورطين في تقديم التسهيلات اللوجستية ومنح وثائق الهوية وشراء العقارات لصالح المليشيا. إن محاصرة الشبكة الاستثمارية للمليشيا في كينيا، وتجميد أصول الشركات
الواجهة، وملاحقة مبيعات الذهب المهرب عبر نيروبي، يمثل اليوم المدخل الأساسي لتجفيف الموارد المالية لمليشيا الدعم السريع وإجبارها على وقف القتال، حيث أن استمرار هذا الشريان يعني استمرار الحرب والدمار في السودان.
وتطالب المذكرات الدولية الحالية حكومة كينيا بإخضاع أكثر من 65 كياناً تجارياً للمراجعة الجنائية الفورية، وفرض غرامات باهظة على المؤسسات المالية المتراخية، إذ تشير التقديرات إلى أن شل القدرة الاستثمارية للمليشيا في نيروبي سيؤدي إلى تجفيف ما لا يقل عن 70% من ميزانية التسليح الخارجي لمليشيا الدعم السريع خلال 6 أشهر فقط.
■ تجفيف منابع الفساد
يقود هذا التحقيق الاستقصائي الشامل إلى خلاصة مفادها أن مواجهة الاستثمارات السرية لمليشيا الدعم السريع في الأراضي الكينية تتطلب تحركاً دولياً يتجاوز مجرد العقوبات الفردية التقليدية. إن تفكيك شبكات الشركات الواجهة بنيروبي، وملاحقة المسؤولين المتواطئين في إدارة الهجرة، ومصادرة الأصول العقارية المغسولة، يمثل الخطوة الأساسية لقطع الإمداد المالي المغذي للحرب السودانية، وضمان عدم استغلال السيادة الوطنية للدول الأفريقية كغطاء لتمويل الجرائم والانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين
المصدر | صحيفة العودة





