مقالات

أصل الحكاية

آمنة الفضل تكتب 

 

أن نشعر بالانتماء إلى شخصٍ أو أرض… تلك هي أعلى مراتب العشق. فليس الانتماء أن نُقيم في مكان، أو أن نعتاد وجهًا، بل أن نجد جزءًا من أرواحنا مستقرًا فيهما.

هو ذلك اليقين الذي يجعلنا نتوهج كلما أسدل الظلام ثوبه على أعماقنا، لأننا نعلم أن ثمة ما يستحق أن نحيا من أجله، وإن كان بعيد المنال . نظل عالقين بتلك الفكرة، لا عجزًا عن المضي، بل خوفًا من أن نفقد جذورنا في قلب رياحٍ لم يتنبأ بها خبراء الطقس ولا خرائط العمر.

حينما نغادر من مكانٍ إلى آخر، لا نكتشف اختلاف البرودة والدفء فحسب، بل نكتشف اختلاف الأرواح أيضًا؛ في الحب والبغض، في الاحتواء والجفاء، وحتى في وقع خطواتنا على الطريق. عندها فقط ندرك أن للأماكن ذاكرة، وأن للوجوه أوطانًا، وأن الجذور قد تكون شجرةً ضاربةً في التراب، وقد تكون ابتسامةً تحفظ ملامحنا من الغياب.

فقد كان الأديب العالمي الطيب صالح يجوب شوارع لندن بينما ظل قلبه معلقاً بازقة قريته الصغيرة كرمكول.
تتقافز حوله الحسناوات ذوات العيون الملونة، بينما ظلت عيناه تلمح دومة ود حامد وجدول الماء الذي يشق قلب مزارع النخيل.. كان يستحضر وسط ضجيج المدن الكبيرة ضحكات بت مجذوب وعفوية الزين..

لقد سكنته الأرض والوطن رغم بعد المسافات..
يذكر نفسه بملامح المحيط الذي خرج منه، حكايات المكان والشخوص. أصواتهم الضجرة وسخطهم على الحياة و همسهم السري الساحر وضحكاتهم الرنانة.
كل المشاهد ظلت حاضرة مابين الذاكرة والورق.
منسابة بأريحية في رواياته الموغلة في الحنين.
ولعل أجمل ما يمنحه لنا الانتماء، أنه لا يمنعنا من الرحيل، بل يمنحنا يقين العودة؛ فإن تاهت بنا الطرق، عرفت قلوبنا دائمًا الطريق إلى جذورنا، وإلى كل ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش.

وهذا تماماً ماجسده مشهداً من روايته موسم الهجرة إلى الشمال والذي قال فيه:
«ونظرت خلال النافذة إلى النخلة القائمة في فناء دارنا؛ فعلمت أن الحياة لا تزال بخير… أنظر إلى جذعها القوي المعتدل، وإلى عروقها الضاربة في الأرض، وإلى الجريد الأخضرا المنهدل فوق هامتها… فأحس بالطمأنينة؛ أحس أنني لست ريشةً في مهب الريح، ولكنني مثل تلك النخلة، مخلوقٌ له أصل، له جذور، وله هدف.».

إشتياق الكناني

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى