من فقر الصين إلى نهضة السودان: دروس عملية (4 من 10): التصنيع والتصدير… كيف صارت الصين مصنع العالم؟
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

بعد أن بدأت الصين من الريف، ثم فتحت نوافذها على العالم عبر الانفتاح المنضبط والمناطق الاقتصادية الخاصة، انتقلت تدريجيًا إلى قلب المعادلة الكبرى: التصنيع والتصدير. فالصين لم تصبح “مصنع العالم” بضربة واحدة، ولا بمجرد كثرة السكان، ولا بمجرد انخفاض الأجور، بل لأنها بنت منظومة إنتاج متكاملة، تربط العامل بالمصنع، والمصنع بالميناء، والميناء بالسوق العالمي، والسوق العالمي بالتعلم والتحسين والتوسع.
وينبغي منذ البداية ألا نختزل التجربة الصينية في صورة وردية كاملة؛ فقد صاحب صعودها الصناعي تحديات كثيرة، من ضغط العمل، والتفاوت بين المناطق، وبعض الآثار البيئية، والاعتماد الطويل على الصادرات والأسواق الخارجية. لكن الدرس العملي المهم أن الصين لم تكتف بامتلاك العمالة والموارد، بل حوّلتهما إلى قدرة إنتاجية منظمة، ثم جعلت التصدير مدرسةً للجودة والانضباط والمنافسة.
بدأت الصين بصناعات بسيطة نسبيًا وكثيفة العمالة، مثل الملابس، والأحذية، والألعاب، والأدوات المنزلية، والتجميع الصناعي، وبعض المنتجات الإلكترونية البسيطة. ولم يكن ذلك عيبًا، بل كان بداية ذكية؛ لأن الأمم لا تقفز عادةً من الفقر إلى الصناعات المعقدة مباشرة. تبدأ بما تستطيع، ثم تتعلم، وتراكم الخبرة، وتدرب العمال، وتحسن الإدارة، وتبني الموردين، وترفع الجودة، ثم تنتقل درجةً بعد درجة إلى صناعات أعلى.
وهنا يظهر درس مهم للسودان: ليست المشكلة أن نبدأ بصناعات بسيطة، بل أن نظل عند بيع الخام بلا تعلم ولا تطوير. فالدولة التي تبدأ بتجفيف المنتجات الزراعية، أو عصر الزيوت، أو تعبئة الأغذية، أو دباغة الجلود، أو تصنيع الأعلاف، أو تشغيل المسالخ الحديثة، ليست دولة متأخرة إذا كانت داخل طريق صاعد. التخلف الحقيقي أن نزرع ونرعى ونستخرج ثم نبيع كل شيء خامًا، ونشتريه بعد ذلك مصنعًا بأضعاف قيمته.
لقد صارت الصين مصنع العالم لأنها فهمت أن التصنيع ليس مبنىً توضع عليه لافتة مصنع، بل شبكة كاملة. المصنع يحتاج إلى كهرباء، وتمويل، وطرق، وموانئ، وعمالة مدربة، ومدخلات منتظمة، وإدارة، ومواصفات، وسوق، وجمارك سريعة، وقانون يحمي التعاقد. فإذا غاب معظم هذا، صار المصنع جزيرةً ضعيفة وسط بحر من التعقيدات، وسرعان ما يتعثر أو يعمل بأقل من طاقته.
والتصدير كان جزءًا أساسيًا من صعود الصين، لا لأنه يجلب العملة الأجنبية فقط، بل لأنه يفرض على المنتج أن يحترم الجودة، والزمن، والكلفة، والمواصفات، والتعبئة، والاستمرارية. السوق المحلي قد يتسامح أحيانًا مع الضعف، أما السوق العالمي فلا يرحم كثيرًا. ومن هنا يصبح التصدير مدرسة عملية: إما أن تتعلم وتتحسن، أو تخرج من المنافسة. ولذلك لم يكن التصدير للصين باب بيع فقط، بل باب تدريب ورفع كفاءة.
وهذا هو السؤال السوداني المباشر: ماذا يمكن أن يصنع السودان؟ لا ينبغي أن يبدأ السودان بسؤالٍ عام عن الصناعة، بل بسؤال أدق: ما الموارد التي نملكها ويمكن أن نضيف إليها قيمة بسرعة؟ السودان يملك السمسم، والفول السوداني، والذرة، والقطن، والثروة الحيوانية، والجلود، والذهب، والخضر والفاكهة، والطاقة الشمسية، والموقع على البحر الأحمر. لكن هذه الموارد لا تصنع نهضة إذا خرجت خامًا أو مبعثرة أو مهرّبة أو بلا مواصفات.
خذ السمسم مثلًا. حين يخرج خامًا، يربح السودان أقل مما يستحق. أما حين يدخل في التنظيف والفرز والتجفيف والزيوت والطحينة والتعبئة والأعلاف، فإن القيمة تزيد، وفرص العمل تزيد، والقدرة على التصدير تتحسن. وكذلك الفول السوداني يمكن أن يتحول إلى زيوت، وزبدة فول، وأعلاف، ومنتجات غذائية. والذرة يمكن أن تدخل في الدقيق، والأعلاف، والنشا، وسلاسل غذائية متعددة. والقطن لا ينبغي أن يبقى مجرد محصول يباع خامًا، بل يجب أن يرتبط بالغزل والنسيج والملابس حيثما أمكن ذلك اقتصاديًا.
والثروة الحيوانية من أكبر أبواب التصنيع الممكن في السودان. فبيع الماشية حيةً يفقد البلد جزءًا كبيرًا من القيمة. أما إذا دخلت في منظومة مسالخ حديثة، وتبريد، وتعبئة، وجلود، وألبان، وأعلاف، وأسمدة عضوية، فإنها تصبح قطاعًا صناعيًا واسعًا. والجلود وحدها مثال واضح على ضياع القيمة؛ فالجلد الذي يهمل أو يعالج بطريقة ضعيفة قد يفقد قيمته، بينما يمكن أن يكون أصلًا لصناعة أحذية وحقائب ومنتجات جلدية وفرص عمل.
ومن أخطاء التفكير الصناعي في السودان أن نتخيل الصناعة دائمًا في صورة مصانع ضخمة بعيدة عن مناطق الإنتاج. والحقيقة أن جزءًا كبيرًا من التصنيع المطلوب يجب أن يبدأ قريبًا من الحقول والمراعي ومناطق التعدين والإنتاج. فالتجفيف، والفرز، والتعبئة، والعصر، والتبريد، والتخزين، والذبح الحديث، وصناعة الأعلاف، كلها يمكن أن تبدأ في وحدات صغيرة ومتوسطة، قريبة من المنتج، ثم تتصل بمراكز أكبر للتصدير والتسويق. هذا يخفف الفاقد، ويخفض كلفة النقل، ويرفع دخل المنتج.
ولا يعني ذلك رفض المصانع الكبرى، ولكن يعني أن الصناعة لا تبدأ من الحجم الكبير دائمًا. في بلد مثل السودان، قد يكون الطريق الأذكى هو بناء شبكة واسعة من الصناعات الصغيرة والمتوسطة، مرتبطة بسلاسل قيمة واضحة. مصنع صغير قرب منطقة إنتاج السمسم، ومركز تبريد قرب منطقة ألبان، ومسلخ حديث في منطقة ثروة حيوانية، ومركز تجفيف للخضر والفاكهة، ومخزن مبرد، ومعمل جودة، قد يكون أثرها العملي أسرع من مشروع ضخم ينتظر سنوات ولا يبدأ.
وهنا يجب التمييز بين حماية الصناعة وحماية الفشل. الصناعة الناشئة قد تحتاج إلى حماية مؤقتة ومدروسة، لكن الحماية لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز دائم للرداءة والغلاء والاحتكار. فإذا حمت الدولة صناعةً محلية، فيجب أن تربط الحماية بتحسن الجودة، وخفض التكلفة، وزيادة التشغيل، والقدرة على التصدير أو على الأقل منافسة الواردات بجدية. أما أن نمنع الاستيراد لكي يبيع محتكرٌ محلي سلعة رديئة بسعر عالٍ، فذلك ليس تصنيعًا، بل نقلٌ للعبء من الخارج إلى المواطن.
وكذلك يجب ألا تُعرقل الدولة استيراد الآلات ومدخلات الإنتاج وقطع الغيار ومواد التعبئة والطاقة الشمسية بحجة حماية الصناعة. فهذه ليست كماليات استهلاكية، بل أدوات إنتاج. الدولة التي تريد التصنيع يجب أن تفتح الطريق لما يخدم الإنتاج، وأن تميز بين استيرادٍ يقتل الصناعة، واستيرادٍ يخلقها. فالآلة المستوردة التي تشغل مصنعًا، وقطعة الغيار التي تمنع توقف الإنتاج، ومواد التعبئة التي ترفع جودة الصادر، كلها جزء من الصناعة الوطنية لا خصم عليها.
والتصنيع لا ينجح بلا تعليم فني. فالمصنع لا يعمل بالشعارات، بل بفني كهرباء، وفني تبريد، ومشغل آلات، وفني جودة، وفني صيانة، وفني جلود، وفني ألبان، وفني تغليف، ومحاسب تكلفة، ومدير إنتاج. ولذلك يجب أن ترتبط أي خطة صناعية بمراكز تدريب عملية قصيرة، قريبة من مناطق الإنتاج، وتستجيب لحاجة السوق. الشباب السوداني لا يحتاج فقط إلى وظيفة حكومية، بل إلى مهارة تفتح له باب العمل والإنتاج.
كما أن التصنيع يحتاج إلى مواصفات ومعايير. فالسلعة التي تخرج إلى السوق بلا جودة ثابتة، ولا وزن مضبوط، ولا تعبئة جيدة، ولا شهادة مطابقة، لا تستطيع أن تنافس طويلًا. السودان إذا أراد أن يصدر الزيوت، أو اللحوم، أو الجلود، أو المنتجات الغذائية، فلا بد من معامل جودة، ومواصفات معلنة، ورقابة لا تقوم على الابتزاز، بل على حماية سمعة المنتج السوداني. فسمعة الصادر أصل اقتصادي لا يجوز التفريط فيه.
والسودان لا ينبغي أن ينتظر اكتمال كل شيء حتى يبدأ. يمكن أن يبدأ بنماذج محددة وقابلة للقياس: سلسلة للسمسم والزيوت، وسلسلة للثروة الحيوانية واللحوم والجلود، وسلسلة للفول السوداني، وسلسلة للتجفيف الغذائي، وسلسلة للقطن والنسيج حيث تتوفر الجدوى، ومراكز تعدين منظم للذهب. لكل سلسلة هدف واضح: كم قيمة أضيفت؟ كم وظيفة خُلقت؟ كم فاقدًا انخفض؟ كم صادرًا زاد؟ وما العائق الذي يجب إزالته؟
والأهم أن يكون المنتج المحلي جزءًا من هذه السلاسل، لا مجرد مورد خام في آخر الصف. المزارع والراعي وصاحب الورشة والتعاونية يجب أن يجدوا أثر التصنيع في دخلهم وفرصهم. فإذا قامت مصانع لا ترتبط بالمنتجين، أو تستغل ضعفهم، أو تضغط أسعارهم دون خدمة حقيقية، فإنها لن تصنع نهضة عادلة. أما إذا دخل المنتج في تعاونية، أو عقد عادل، أو سلسلة توريد واضحة، فإنه يصبح شريكًا في القيمة لا ضحية لها.
غير أن كل هذا التصور لا ينجح إذا بقيت البيئة العامة مختلة. فلا مصنع يعمل بكفاءة مع كهرباء مضطربة، ورسوم متغيرة، وجمارك معقدة، وسعر صرف غامض، وتمويل ضعيف، وطرق غير آمنة، وضرائب غير واضحة، وإجراءات بطيئة، وتهريب يضرب المنتج الجاد، واحتكار يخنق المنافسة. لذلك فإن التمهيد الحقيقي للتصنيع يبدأ بإصلاح السياسات الكلية أولًا: سعر صرف شفاف، وحرية قانونية لحركة الأموال المشروعة، وتمويل إنتاجي، وضرائب معلنة، وطاقة مستقرة، وطرق وموانئ كفؤة، ورقمنة للإجراءات، وحماية للعقود والملكية، ومحاربة للتهريب والاحتكار والفساد. فإذا صلحت هذه البيئة، صار المصنع أداة إنتاج وتصدير؛ أما إذا بقيت مختلة، تحول التصنيع إلى شعار جميل داخل واقعٍ يطرد الصناعة.
وخلاصة هذه الحلقة أن الصين صارت مصنع العالم لأنها بدأت بما تستطيع، وربطت الصناعة بالتصدير، وتعلمت من السوق، ووسعت قدراتها خطوة بعد خطوة. والدرس للسودان واضح: لا تقفوا عند بيع الخام، ولا تنتظروا الصناعات الكبرى وحدها، بل ابدأوا من مواردكم القريبة، وأضيفوا إليها قيمة عملية: تنظيف، فرز، تجفيف، عصر، تعبئة، تبريد، ذبح حديث، دباغة، غزل، نسيج، ومواصفات.
فكل خطوة تضيف قيمة هي خطوة في طريق النهضة.
وهذا هو الدرس الرابع في الطريق من فقر الصين إلى نهضة السودان: لا تصنع الموارد وحدها دولة قوية، بل يصنعها تحويل الموارد إلى منتجات، والمنتجات إلى صادرات، والصادرات إلى تعلم ودخل وفرص عمل. فإذا ظل السودان يبيع السمسم خامًا، والماشية حية، والجلود مهملة، والقطن بلا صناعة، فإنه يبيع بداية السلسلة ويشتري نهايتها. أما إذا دخل التصنيع، فقد بدأ يستعيد القيمة التي ظلت تخرج من يده.
وفي المقال القادم، ننتقل إلى سؤالٍ بالغ الأهمية: من أين جاءت الصين بموارد البنية التحتية؟ وكيف استطاعت أن تبني الطرق والموانئ والطاقة والمناطق الصناعية؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه السودان في تمويل البنية المنتجة من موارده الحقيقية، بدل انتظار المعونات أو الغرق في ديون لا تصنع إنتاجًا.





