إشتياق الكناني تكتب: السلام وحده القادر على إعادة الحياة لوطن أنهكته الحروب

“الشجرة التي تنمو بالدماء سوف ينزف غصنها”، عبارة تختصر كثيرًا من تجارب الشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة بسبب الحروب والصراعات والانقسامات. فالحياة بطبيعتها تقوم على قانون واضح وعادل؛ ما نزرعه اليوم سنحصده غدًا، سواء كان خيرًا أم شرًا، محبة أم كراهية، سلامًا أم دمارًا. ولهذا فإن مستقبل الأوطان لا يُبنى بالقوة والعنف، وإنما بالأمل والعمل والتسامح.
لقد عانى السودان خلال السنوات الماضية من ويلات الحرب والانقسام، ودفع المواطن البسيط الثمن الأكبر من أمنه واستقراره وحياته اليومية. أُغلقت المدارس، وتعطلت المستشفيات، وتفرقت الأسر، وأصبحت معاناة الناس جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. ومع ذلك، ظل السودانيون يحتفظون بشيء من الأمل، لأن الشعوب الحية لا تموت مهما اشتدت عليها الأزمات.
إن الوطن يشبه الشجرة الكبيرة التي يستظل بها الجميع، فإذا سُقيت بالخوف والدماء، فلن تُثمر إلا الألم، أما إذا زُرعت بالمحبة والسلام، فإنها تمنح أبناءها الأمن والاستقرار والطمأنينة. ولذلك فإن المرحلة الحالية تحتاج إلى مراجعة حقيقية من الجميع، وإلى إدراك أن استمرار النزاعات لن يصنع وطنًا، ولن يمنح الأجيال القادمة مستقبلًا أفضل.
السلام ليس مجرد اتفاق سياسي يُوقع بين الأطراف، بل هو ثقافة وسلوك وإيمان بحق الإنسان في الحياة الكريمة. يبدأ السلام من الكلمة الطيبة، ومن احترام الآخر، ومن الإيمان بأن الاختلاف لا يعني العداء. وحين تتصالح القلوب قبل المصالح، يصبح بناء الوطن ممكنًا مهما كانت الجراح عميقة.
إن السودان يمتلك كل المقومات التي تؤهله للنهوض من جديد؛ أرض واسعة، وموارد كبيرة، وشعب عُرف بالتسامح والكرم والتعايش. لكن هذه المقومات تحتاج إلى بيئة مستقرة تُعيد الثقة للناس، وتمنح الشباب فرصة للحلم والعمل والبناء بدلًا من الهجرة والخوف والضياع.
لقد تعب هذا الوطن كثيرًا، ونزف بما يكفي. وحان الوقت لأن يتوقف صوت السلاح، وأن تعلو أصوات العقل والحكمة. فالأوطان لا تُبنى بالانتقام، بل بالتسامح والعدالة والقدرة على تجاوز الماضي من أجل المستقبل. وكل تجربة في العالم أثبتت أن الحروب مهما طالت لا بد أن تنتهي، ويبقى السؤال الأهم: ماذا تبقى للشعوب بعد الخراب؟
إن مسؤولية بناء السلام لا تقع على السياسيين وحدهم، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع. فحين يتعلم الأطفال قيمة الوطن، ويتربى الشباب على احترام التنوع وقبول الآخر، يصبح السلام أكثر رسوخًا واستدامة.
نحتاج اليوم إلى أن نزرع شجرة الوطن بالأمل، وأن نسقيها بالمحبة، وأن نحميها بالحكمة. نحتاج إلى أن تكون قلوبنا معلقة بالسودان لا بالصراعات، وأن نؤمن بأن هذا البلد يستحق فرصة جديدة للحياة.
فلا شيء أجمل من وطن آمن، ينام فيه الناس بلا خوف، ويستيقظون على أحلام بسيطة ومستقبل واضح. ولا شيء أقسى من وطن يأكل أبناءه بالحروب والانقسامات. لذلك فإن الخيار الحقيقي أمام الجميع هو أن نختار الحياة بدلًا من الموت، والسلام بدلًا من الدمار، والوطن بدلًا من كل الخلافات.





