مقالات

السودان: ضاع الأمس… فهل ننقذ الغد؟

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

ليس الغرض من استدعاء ماضي السودان أن نبكي على زمنٍ مضى، ولا أن نغرق في حنينٍ عاطفي يجعل الأمس جنةً خالصة والحاضر خرابًا بلا سبب؛ فالتاريخ لا يُقرأ بالبكاء، ولا تُبنى الأمم بالتغني بما كان. ولكن استدعاء الأمس يصبح واجبًا حين يكشف لنا أن السودان لم يكن بلدًا عاجزًا بطبيعته، ولا فقيرًا في موارده، ولا محكومًا عليه بالتخلف، وإنما كان بلدًا يملك الأرض والماء والقطن والسمسم والثروة الحيوانية والذهب والموقع والإنسان، ثم أخفق في تحويل هذه النعم إلى دولة منتجة مستقرة.

كان السودان، في فترات سابقة، يملك قاعدة إنتاجية ومؤسسية معتبرة. كانت هناك مصانع غذاء وزيوت وصابون ونسيج وجلود وألبان وتعليب، وكانت هناك سكك حديد ممتدة، ومشروع الجزيرة، وورش عطبرة، ومؤسسات خدمية ومدنية لها حضور وكفاءة. كان القطن السوداني يدخل في صناعة النسيج، وكانت بذرة القطن والسمسم تدخل في صناعة الزيوت والصابون، وكانت الثروة الحيوانية تفتح باب اللحوم والألبان والجلود، وكانت الزراعة قادرة أن تغذي الصناعة، وكانت الصناعة قادرة أن تضيف القيمة إلى الزراعة، وكان النقل بالسكة الحديد والنقل النهري والخطوط البحرية والطيران جزءًا من منظومة دولة تتحرك، ولو ببطء، في اتجاه الإنتاج.
وليس كل ما يروى عن ذلك الماضي ثابتًا بالدرجة نفسها؛ ففي بعض الروايات مبالغات عن “الأكبر في إفريقيا” و“الأفضل في إفريقيا” و“الاكتفاء الكامل”، وهذه عبارات تحتاج إلى أرقام دقيقة قبل إطلاقها. لكن الثابت، بما يكفي للاعتبار، أن السودان امتلك يومًا قاعدة إنتاجية ومؤسسية لم تكن هينة. فمشروع الجزيرة والمناقل كان من أضخم المشروعات المروية في المنطقة، وسكك حديد السودان كانت من الشبكات الممتدة والمهمة في إفريقيا، ومصانع النسيج والزيوت والجلود والسكر والصناعات الغذائية كانت واقعًا قائمًا يشهد بأن السودان عرف مبكرًا معنى الإنتاج المنظم، وإن لم يكن ذلك الماضي خاليًا من الخلل أو سوء الإدارة.

بل إن الأمر لم يكن محصورًا في الزراعة والصناعة وحدهما؛ فقد كان السودان يملك حضورًا معتبرًا في النقل الجوي والبحري والنهري، وكانت الخطوط الجوية السودانية، في زمن من الأزمنة، إحدى واجهات الدولة في الخارج، ثم تراجعت كما تراجعت غيرها من المؤسسات. ولم يكن تراجع الطيران مجرد تراجع شركة، بل كان علامة على تراجع منظومة كاملة: إدارة، وصيانة، وتمويل، وانضباط، وسمعة، وتخطيط، وقدرة على المنافسة.

فالطائرة لا تطير بالشعار الوطني، وإنما تطير بنظامٍ صارم، وصيانة دقيقة، وإدارة محترفة، وثقة دولية، وربطٍ محكم بين الاقتصاد والسياحة والتجارة والخدمات.
ثم جاء السؤال المر: كيف انتقل بلد كان ينتج كثيرًا مما يستهلك إلى بلد يستورد كثيرًا مما يستطيع إنتاجه؟ كيف تراجعت الزراعة وهي في أرضٍ من أخصب أرض الله؟ كيف تدهورت الصناعة وهي قائمة على مواد خام محلية؟ كيف ضعفت السكك الحديدية وهي عصب النقل والإنتاج؟ كيف تراجع الطيران والنقل البحري والنهري وهي أدوات ربط السودان بنفسه وبالعالم؟ كيف تحولت الخدمة المدنية من جهاز دولة إلى جهاز مثقل بالسياسة والضعف والترضيات؟ وكيف صار المواطن السوداني يرى موارد بلده أمام عينيه، ثم يعجز عن الانتفاع بها في معاشه اليومي؟

الجواب الأول أن السودان لم يربط الزراعة بالصناعة في منظومة واحدة. كانت عندنا أرض وماء وقطن وسمسم وحبوب وفواكه وثروة حيوانية، ولكن الدولة لم تبنِ سلسلة إنتاج متكاملة من الحقل إلى المصنع، ومن المصنع إلى التخزين، ومن التخزين إلى النقل، ومن النقل إلى السوق والتصدير. وحين تنفصل الزراعة عن الصناعة، يظل المزارع ضعيفًا، والمصنع جائعًا للمواد الخام، والمستهلك أسيرًا للاستيراد، والدولة عاجزة عن خلق قيمة مضافة من مواردها.

والجواب الثاني أن الإدارة السياسية ظلت أقوى من الإدارة الاقتصادية. تعاقبت الحكومات، وتبدلت الشعارات، ولكن لم تتكون رؤية وطنية مستقرة تجعل الإنتاج أولوية فوق الحزب، ، وفوق المحاصصة، وفوق الولاءات. فكل عهد بدأ كأنه يبدأ السودان من الصفر، وكل سلطة أرادت أن تطبع الدولة بطابعها، حتى ضاع تراكم الخبرة، وتكسرت المؤسسات، وضعفت الذاكرة الإدارية، وصار الوطن يدفع ثمن الانقطاع بدل أن يستفيد من الاستمرار.

والجواب الثالث أن السودان لم يكتفِ بعدم تطوير الأنظمة والمؤسسات التي ورثها بعد خروج الاستعمار، بل أهمل كثيرًا منها حتى تهالكت، ثم هدم بعضها بالفعل أو بالترك الطويل. صحيح أن الاستعمار لم يؤسس السكك الحديدية ومشروع الجزيرة والميناء والإدارة الحديثة حبًا في السودان ولا ابتغاءً لنهضته، وإنما أقام كثيرًا من تلك الأنظمة لخدمة مصالحه، ولتسهيل نقل صادرات البلاد، وفي مقدمتها القطن والمواد الخام، إلى حيث يريد. لكنها، مع ذلك، كانت أنظمة متقدمة في زمانها، وكان الواجب بعد الاستقلال أن تُطوَّر، وتُوطَّن، وتُحوَّل من أدوات لخدمة الخارج إلى أدوات لخدمة النهضة الوطنية. غير أن الذي حدث في كثير من المواضع أننا لم نُكمل البناء، ولم نُحدثه، ولم نجعله أكثر عدلًا وكفاءة، بل تركنا أجزاءً واسعة منه تتآكل بالإهمال وضعف الصيانة واضطراب السياسات، حتى صار ما كان يومًا عصبًا للإنتاج ذكرى أو عبئًا أو أطلالًا مؤسسية.

والجواب الرابع أن الدولة توسعت أحيانًا في الملكية والسيطرة دون أن تملك الكفاءة والانضباط. فحين تدخل الدولة السوق بغير رؤية، وتصادر أو تؤمم أو تدير المصانع بروح المكتب لا بروح الإنتاج، تتحول المنشأة من مشروع اقتصادي إلى عبء إداري. وحين يصبح المصنع تابعًا للقرار السياسي لا لحسابات الكفاءة والجودة والسوق، يبدأ التدهور ولو بقيت اللافتة قائمة. ولهذا رأينا مصانع كبرى تعمل بأقل من طاقتها، أو تتوقف بسبب سوء التصميم، أو ضعف الإدارة، أو نقص المواد الخام، أو فساد نظام الحوافز.

والجواب الخامس أن السودان عانى من قيود اقتصادية وتشوهات متراكمة: سعر صرف غير واضح، تراخيص مرهقة، سياسات استيراد وتصدير مرتبكة، تضخم، ضعف تمويل الإنتاج، تفضيل التجارة السريعة على الصناعة، وانتشار اقتصاد الظل. وحين لا يرى المستثمر سعرًا واضحًا للعملة، ولا قانونًا مستقرًا، ولا قضاءً ناجزًا، ولا خدمة إدارية شفافة، فإنه إما يهرب، أو يضارب، أو يدفن ماله في العقار والذهب والعملات، بدل أن يدخله في مصنع أو مزرعة أو خط إنتاج.

وقد يقول قائل إن السودان لم يكن حرًا تمامًا في حركته، فقد واجه قيودًا خارجية وعقوبات وضغوطًا دولية أثّرت في قدرته على التمويل، والتقنية، والتحويلات، والتعامل مع الأسواق والمؤسسات الدولية. وهذا صحيح في جانب منه، ولا يجوز إنكاره عند قراءة تاريخ التراجع. لكن الصحيح أيضًا أن كثيرًا من هذه القيود لم ينزل علينا من فراغ، بل كان بعضه نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لتهورات في السياسات الداخلية والخارجية، ولضعف إدارة الدولة، وللعجز عن بناء خطاب مصالح متوازن مع العالم. كما أن السودان لم يُحسن استخدام كروت قوته الكبيرة: موقعه على البحر الأحمر، وأرضه الزراعية، ومياهه، وثروته الحيوانية، ومعادنه، وعمقه الإفريقي والعربي، وقدرته على أن يكون بلد غذاء وطاقة ونقل وتجارة. فالدول لا تحمي نفسها بالشعارات وحدها، بل بحسن توظيف مواردها، وبناء مصالح متبادلة تجعل الآخرين يحتاجون إلى استقرارها كما تحتاج هي إلى تعاونهم. ولو أُديرت قوة السودان بعقل استراتيجي، لكان في وسعه أن يدافع عن نفسه بالمصالح لا بالمواقف المرتجلة، وأن يجذب الشركاء بدل أن ينفرهم، وأن يجعل موارده بابًا للتوازن والاحترام لا سببًا للعزلة والابتزاز.
والجواب السادس أن البنية التحتية التي كانت تحمل الاقتصاد تُركت حتى ضعفت. فالسكة الحديد ليست مجرد قطار، بل هي شريان للقطن والقمح والماشية والصمغ والحبوب والوقود والناس. وحين تضعف السكة الحديد يرتفع النقل، وحين يرتفع النقل تضعف الزراعة والصناعة معًا. ومشروع الجزيرة ليس مجرد ترع وحواشات، بل هو مدرسة في الإدارة المروية، وحين تتدهور إدارته يتدهور حوله اقتصاد كامل. والمصنع ليس جدرانًا وآلات، بل يحتاج إلى كهرباء وطرق وتمويل ومواد خام وإدارة وسوق. والطيران ليس طائرات تُشترى ثم تُترك، بل منظومة كاملة من سلامة وتشغيل وصيانة وتدريب وسمعة دولية واتصال بالاقتصاد الوطني.
والجواب السابع أن الخدمة المدنية تراجعت حين غلبت عليها السياسة والولاء وضعف الأجر وغياب التدريب والمحاسبة. والدولة لا تنهض بالخطب، بل تنهض بموظف مؤهل، ومهندس مقتدر، وقضاء ناجز، ومحاسب أمين، ومفتش لا يبتز، ومدير يعرف الأرقام لا الشعارات. فإذا ضعفت الخدمة المدنية ضعف كل شيء بعدها؛ لأن الدولة الحديثة ليست نوايا طيبة، بل نظم وإجراءات ومؤشرات ومحاسبة.

وقد يقول قائل: لكن السودان عرف في العقود الأخيرة بعض مظاهر التحديث، ودخلت فيه تقنيات متقدمة في الاتصالات، وبُنيت بعض المشروعات الكبرى كسد مروي، وظهرت طرق وجسور ومنشآت لم تكن موجودة من قبل. وهذا صحيح من حيث الصورة الجزئية، ولا يصح إنكار ما حققته بعض هذه المشروعات من منافع محدودة أو جزئية. لكن هذه التقنيات والمنشآت لم تتحول إلى نهضة عامة؛ لأنها لم تُدمج في منظومة وطنية متكاملة، ولم تُزرع في بيئة إدارية واقتصادية سليمة، ولم ترتبط بسلسلة إنتاج واضحة تجعل الطريق خادمًا للمصنع، والطاقة خادمة للزراعة والصناعة، والاتصال خادمًا للشفافية والخدمة العامة.

فالتقنية قد تمنح منفعة جزئية، لكنها لا تصنع نهضة عامة إذا زُرعت في بيئة إدارية واقتصادية مختلة، لا تربط المشروع بالمشروع، ولا الطريق بالمصنع، ولا الطاقة بالإنتاج، ولا الاتصال بالبيانات والرقابة والخدمات. والسدود لا تكفي إذا لم تُربط بمشروع زراعي وصناعي وسكاني وتنموي واضح، والطرق لا تكفي إذا لم تحمل إنتاجًا متناميًا، والطاقة لا تكفي إذا لم تجد مصانع مستقرة وسوقًا منظمًا وتمويلًا رشيدًا، والاتصالات لا تكفي إذا بقيت الإدارة ورقية وعاجزة ومثقلة بالفساد والتعقيد.

وهكذا صارت بعض مظاهر التحديث كأنها جزر معزولة داخل بحر من الاختلال، بل ربما بدت أحيانًا متضادة مع البيئة التي حولها: تقنية اتصالات متقدمة بجوار إدارة متخلفة، ومنشآت ضخمة بجوار اقتصاد غير منظم، ومشروعات كبرى بلا منظومة تشغيل كاملة، وبنية حديثة من الخارج لا يسندها عقل مؤسسي حديث من الداخل. والنهضة لا تقوم بالجزر المعزولة، بل بالتكامل؛ لأن قيمة الطريق في ما يحمله، وقيمة الكهرباء في ما تشغله، وقيمة السد في ما يرويه وينتجه، وقيمة الاتصال في ما يختصره من إجراءات ويكشفه من بيانات ويمنعه من فساد.

ثم جاءت الحرب القائمة لتكشف الخراب ولا تصنعه وحدها. جاءت الحرب كارثةً كبرى ومضاعِفةً للانهيار، لكنها لم تنشئ المرض من عدم؛ فقد وجدت دولةً مثقلة قبلها بأزمات الاقتصاد والإدارة وسعر الصرف والإنتاج والخدمات وضعف المؤسسات، فانفجر القديم كله في صورة خرابٍ أعظم. مزقت الحرب ما بقي، ودفعت الناس إلى النزوح والفقر، وخربت الأسواق والمصانع والبيوت، لكنها لم تكن بداية المرض، بل كانت انفجار المرض القديم. ومن الظلم للحقيقة أن نقول إن الحرب وحدها سبب الانهيار؛ فالانهيار بدأ قبلها بسنوات طويلة، والحرب لم تفعل إلا أن كشفت عجز الدولة حين لا تكون دولة مؤسسات.

وهنا لا يكفي أن نقول: “ثم ضاع الأمس منا”. فالأمس لم يضع صدفة، ولم تبتلعه الريح بلا سبب. ضاع حين غابت الرؤية، وضعفت الإدارة، وتقدمت السياسة على الإنتاج، وتراجع القانون، وانفصلت الزراعة عن الصناعة، وتعطلت السكك الحديدية، وتراجع الطيران، واختنق المستثمر، وهربت الكفاءات، وصار الولاء أسبق من الكفاءة، وصار الكلام عن النهضة أكثر من العمل لها.

والقرآن الكريم يضع القانون العام في أوضح عبارة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. فالتغيير لا يبدأ من الآلات وحدها، ولا من القروض، ولا من المؤتمرات، بل يبدأ من تغيير طريقة التفكير والإدارة والسلوك العام. ويقول تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}، وما أكثر ما تنازع السودانيون حتى ذهبت ريح الدولة، وضعفت هيبتها، وتفرقت مواردها بين الخصومات والحروب والجبايات والفساد.
وليست العبرة أن نعيد الماضي كما كان، فذلك مستحيل، ولا أن نقدس كل تجربة قديمة، فقد كان في الماضي أيضًا خلل وسوء إدارة ومشروعات لم تكن مدروسة كما ينبغي. لكن العبرة أن نأخذ من الأمس الدرس لا الصورة، ومن التجربة معناها لا زخرفها. كان الدرس أن السودان قادر على الإنتاج حين تتوافر الإدارة، وأن موارده كافية لتأسيس نهضة، وأن الزراعة يمكن أن تلد صناعة، وأن الصناعة يمكن أن تلد صادرات، وأن النقل والخدمة المدنية والقانون ليست تفاصيل جانبية، بل أعمدة الدولة المنتجة.

أما الحاضر، حتى قبل الحرب، فقد كان حاضرًا يكثر فيه الكلام ويقل فيه الإنتاج. نستورد ما نستطيع زراعته، ونبيع الخام بدل تصنيعه، ونترك الذهب يخرج من قنوات غير منظمة، ونثقل المواطن بالجبايات بدل أن نفتح له أبواب العمل، ونخنق المستثمر بالإجراءات بدل أن نلزمه بالشفافية والقانون فقط، وندير سعر الصرف في الظلام بدل أن نجعله معلنًا واضحًا في النور، عبر منصة مركزية تبين أسعار البنوك والصرافات للناس جميعًا وفق العرض والطلب، بلا تدخل تعسفي من دولة لا تملك احتياطيًا كافيًا لتدافع عن سعرٍ مصطنع.

إن السودان لا يحتاج إلى حنين، بل إلى مشروع. يحتاج إلى تحرير اقتصادي شامل منضبط بالقانون، ورقمنة متكاملة تكشف الفساد وتختصر الإجراءات، وسعر صرف معلن وشفاف، وربط الزراعة بالصناعة، وإحياء السكك الحديدية، وإصلاح مشروع الجزيرة والمشروعات المروية، وإعادة بناء النقل الجوي والبحري والنهري باعتباره جزءًا من الاقتصاد لا مجرد واجهة شكلية، وتحويل الثروة الحيوانية إلى لحوم وألبان وجلود مصنعة، وتحويل السمسم والفول والقطن والصمغ والفواكه إلى منتجات نهائية لا خامات رخيصة، وإعادة بناء الخدمة المدنية على الكفاءة لا الولاء.

وخلاصة القول: لم يكن السودان فقيرًا حتى يسقط، بل كان غنيًا أُدير بعقل فقير. ولم يكن عاجزًا عن الإنتاج، بل عُطلت قدرته بسوء السياسة والإدارة. ولم يضِع الأمس لأن الأمس كان مستحيلًا، بل ضاع لأننا لم نحوله إلى نظام يتجدد. وما ورثناه من نظم نافعة لم نطوره كما ينبغي، وما أدخلناه من تقنيات حديثة لم نُدخله في منظومة متكاملة، فصار القديم يتهالك، والجديد يتعطل عن ثمرته، والبلد كله يعيش بين إرثٍ لم يُصن، وتحديثٍ لم يكتمل.

فإذا أردنا ألا يضيع الغد كما ضاع الأمس، فعلينا أن نغادر الحنين إلى البناء، وأن ننتقل من سؤال: “كيف كنا؟” إلى سؤال: “لماذا تراجعنا؟ وكيف ننهض؟” فالأمم لا تعود إلى الحياة بالبكاء على ما فقدت، وإنما تعود حين تفهم سبب الفقد، ثم تبني على بصيرة، وتعمل بإتقان، وتضع الدولة كلها في خدمة الإنتاج والعدل والنظام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى