مقالات

الغذاء صحةٌ أو مرض (10 من 20): البروتين الحيواني… من قيمة الغذاء إلى سرّ التكبير عند الذبح

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

ليس البروتين ترفًا غذائيًا، ولا طعامًا زائدًا على حاجة الإنسان، بل هو من أصول بناء الجسد وحفظ قوته. فالعضلات، والدم، والمناعة، والأنسجة، والنمو، والتعافي من المرض، كلها تحتاج إلى نصيبٍ مناسبٍ من البروتين. ولهذا كانت اللحوم، والبيض، والأسماك، والألبان، والبقوليات، من أبواب الغذاء المهمة التي لا ينبغي إهمالها. لكن الخلل يبدأ حين يتحول البروتين، خاصة الحيواني منه، إلى مظهر مباهاةٍ وإسراف، أو حين يُظن أن القوة لا تأتي إلا بكثرة اللحم، أو حين تُؤكل هذه الأطعمة بطريقةٍ تفقدها كثيرًا من نفعها وتزيد ضررها.

وقد امتن الله تعالى على عباده بالأنعام، فقال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: 21]. فاللحم واللبن وسائر منافع الأنعام داخلة في رزق الله، وليست مذمومة في أصلها. ومن الخطأ أن يتحدث بعض الناس عن اللحوم والدهون الحيوانية الطبيعية كأنها شرٌّ محض، كما أن من الخطأ في المقابل أن يجعلها آخرون بابًا مفتوحًا بلا ميزان. والحق أن اللحم من الطيبات إذا أُخذ بقدره، ومن مصدرٍ مأمون، وبطريقة إعدادٍ سليمة، وضمن مائدةٍ متوازنة.

وقد قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1]. وهذه الآية تؤسس لأصل الإباحة في أكل الأنعام وفق أحكام الشرع، وتذكّر بأن ما أحله الله لا يصح أن يُذم بإطلاقٍ ولا أن يُحرّم بلا دليل. لكن الإباحة لا تعني الإسراف، كما أن الطيب لا يعني الفوضى؛ فالقرآن نفسه الذي أباح الطيبات هو الذي نهى عن الإسراف، وعلّم الإنسان أن يأكل ويشرب بميزان. ومن هنا يكون الحديث عن اللحوم حديث شكرٍ واعتدال، لا حديث تخويفٍ ولا حديث انطلاقٍ بلا حدود.

مقالات ذات صلة

واللحم الطبيعي المعروف المصدر غير اللحوم المصنعة والمعلبة والمدخنة. فالقطعة الطازجة المطبوخة باعتدال، داخل وجبةٍ فيها خضرة وحبوب أو نشويات بقدر، ليست كالمنتجات المحملة بالملح والدهون والمواد الحافظة والنكهات. وقد يظن الإنسان أنه يأكل بروتينًا نافعًا، بينما هو يأكل طعامًا مصنعًا بعيدًا عن أصل اللحم، كثير الإضافات، ثقيل الأثر. ولذلك لا ينبغي أن نخدع أنفسنا بكلمة “لحم” أو “دجاج” على العبوة؛ فالغذاء الطبيعي القريب من أصله ليس كالغذاء المصنع.

ولا يكفي في اللحم أن يكون طازجًا في ظاهره، بل ينبغي قدر الإمكان أن يكون معلوم المصدر، من حيوانٍ رُبّي ورُعي أو غُذّي بطريقةٍ مأمونة، ولم تُستعمل في تربيته أعلافٌ فاسدة أو ملوثة، ولا مواد أو حقن أو هرمونات ضارة يُقصد بها تسريع النمو أو زيادة الوزن على حساب سلامة الإنسان. فاللحم في النهاية ليس منفصلًا عن حياة الحيوان قبل الذبح؛ فما يدخل في علفه ورعايته وصحته قد يظهر أثره في جودة لحمه وسلامته. ومن هنا فإن الطعام الطبيعي لا يعني فقط أن نبتعد عن اللحوم المصنعة، بل أن نحرص كذلك على مصدر اللحم نفسه، وطريقة تربية الحيوان، وسلامة ما أُطعم به وما عولج به.
والبيض من أعظم الأغذية البسيطة قيمةً وسهولةً، فهو غذاء متاح في كثير من البيوت، غني بالبروتين، ويمكن أن يدخل في فطور الطفل والطالب والعامل وكبير السن إذا ناسبه. والبيض المسلوق أو المطبوخ بقليلٍ من الدهن غير البيض الغارق في الزيت والسمن، وغير البيض الذي يُؤكل مع خبزٍ كثيرٍ وشايٍ شديد السكر. والبيت الذي يستعمل البيض بذكاء يضيف إلى غذائه مصدرًا جيدًا للبناء بأقل تكلفة من كثير من الأطعمة المصنعة.

ويجب أن لا نغفل عن اختلاف أحوال الناس. فبعض المرضى يحتاجون إلى تنظيم ما يأكلون بحسب توجيه الطبيب، خاصة من لديهم اضطرابات معينة في الدهون أو أمراض خاصة. لكن ذلك لا يلغي أن البيض، في الجملة، غذاء نافع إذا أُخذ بقدرٍ وضمن طعام متوازن. والخطأ أن نترك البيض النافع ثم نملأ البيت بالبسكويت والمخبوزات والحلويات والمقرمشات، ثم نتحدث عن الخوف من البيض كأن الخطر كله فيه.

أما الأسماك فهي بابٌ عظيم من أبواب الغذاء، وقد ذكر القرآن البحر وما يخرج منه، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: 14]. وسماه القرآن لحمًا طريًا، وفي هذا وصفٌ بديعٌ للسمك وما يخرج من البحر من طعامٍ لينٍ نافع. والسمك، إذا كان طازجًا مأمونًا أو محفوظًا بطريقة صحيحة، ومطبوخًا أو مشويًا باعتدال، قد يكون أخف على كثير من الناس من اللحوم الثقيلة، وأقرب إلى وجبةٍ نافعةٍ حين يصاحبه خضار وقليل من النشويات.

وفي السودان، مع وجود النيل والأنهار وبعض البيئات الغنية بالأسماك، يمكن أن يكون السمك جزءًا أكبر من غذاء الناس لو أُحسن صيده وحفظه وتداوله وتسويقه. وقد يغيب السمك عن موائد كثيرة بسبب السعر، أو ضعف التوزيع، أو قلة العادة، أو سوء الحفظ. ومع ذلك، حيثما تيسر السمك المأمون، فهو خيارٌ غذائي جدير بالعناية، خاصة إذا لم يُفسد بالقلي المتكرر والزيت القديم والملح الزائد.

وقد قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51]. وهذه الآية تربط الغذاء بالعمل، وكأن الطعام الطيب زادٌ للحركة والعبادة والقيام بالواجب، لا سببٌ للثقل والخمول. فإذا تحولت وجبة اللحم أو البيض أو السمك إلى طعامٍ مفرطٍ في الدهن والملح، يعقبها كسلٌ وامتلاء، فقد ابتعدت عن مقصد الغذاء الذي يقيم البدن ويعينه. فالغذاء الطيب ليس ما يملأ المعدة فقط، بل ما يترك في الجسد قوةً وخفةً واستعدادًا للعمل.

والإفراط في اللحوم له مشكلات متعددة؛ فهو يزاحم الخضروات والبقوليات والحبوب المتوازنة، ويرفع تكلفة المعيشة، وقد يزيد الدهن والملح إذا كان اللحم شديد الدسم أو مطبوخًا بطريقة ثقيلة. وبعض الناس إذا وجد اللحم جعل الوجبة كلها حوله، وترك الخضرة والماء، ثم أكل معه خبزًا كثيرًا، فصارت الوجبة ثقيلةً لا متوازنة. وليس المطلوب إخراج اللحم من المائدة، بل رده إلى قدره الصحيح.

وفي المقابل، قلة البروتين الشديدة قد تضعف الجسد، خاصة عند الأطفال، والحوامل، والمرضعات، وكبار السن، والعمال، ومن يتعافون من مرض. فالطفل لا يكفيه الخبز والشاي والسكر، وكبير السن لا يكفيه قليل من العصيدة أو الشاي، والعامل لا تكفيه نشويات بلا بناء. لذلك يحتاج البيت إلى مصادر بروتين متنوعة بحسب القدرة: بيض، لبن، روب، فول، عدس، لوبيا، سمك، دجاج، ولحم بقدر. التنوع هنا أذكى من الاعتماد على مصدر واحد.

ومن المهم هنا أن نعلم أن البروتين ليس كميةً فقط، بل نوعيةٌ كذلك. فالجسم يحتاج إلى أحماضٍ أمينية أساسية لا يستطيع تصنيعها بنفسه، ولا بد أن يحصل عليها من الطعام. وتؤكد علوم التغذية أن البروتين الحيواني، كاللحم والبيض والسمك واللبن، يكون غالبًا أعلى قيمةً حيويةً وأكمل تركيبًا؛ لأنه يحتوي على الأحماض الأمينية الأساسية التسعة بنِسَبٍ أقرب إلى حاجة الجسم، وبصورةٍ أسهل هضمًا وامتصاصًا. أما كثير من البروتينات النباتية، ومنها بعض البقول والحبوب منفردة، فقد يقل فيها حمضٌ أميني أو أكثر، أو تكون استفادة الجسم منها أقل، ولهذا يحتاج الاعتماد النباتي إلى تنويعٍ وتكاملٍ بين البقول والحبوب حتى يقترب من الكفاية المطلوبة.

وهذا لا ينقص من قيمة البقوليات، ولا يجعل الغذاء النباتي عديم النفع، لكنه يبين لماذا كانت المصادر الحيوانية الطبيعية، إذا تيسرت وأُخذت بقدرٍ ووعي، غذاءً عالي القيمة، خاصة للأطفال والحوامل والمرضعات وكبار السن ومن يضعف غذاؤهم أو تقل خياراتهم. فالحكمة ليست في إقصاء النبات ولا في الإفراط في الحيوان، بل في أن يعرف الإنسان قيمة كل بابٍ من أبواب الغذاء، وأن يضعه في موضعه الصحيح.

ولعل من حِكَم الشريعة في سنة الأضحية يوم عيد الأضحى، وما فيها من الأكل والإهداء والتصدق، أن يصل شيءٌ من هذا الغذاء النفيس إلى من قد يعزّ عليهم الحصول عليه في سائر العام. قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]، وقال سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36]. فالأضحية ليست مجرد شعيرةٍ فرديةٍ يأكل منها صاحبها، بل هي كذلك باب إطعامٍ وتوسعةٍ ومشاركةٍ اجتماعية، وفيها تأمين نصيبٍ من اللحم الطيب لمن قد لا يقدرون عليه إلا نادرًا. ومن هذا الوجه يظهر جمال الجمع بين العبادة والرحمة والغذاء؛ إذ تصل منفعة الشعيرة إلى البدن كما تصل معانيها إلى القلب، دون أن يكون ذلك دعوةً إلى الإسراف في اللحم، بل إلى شكر النعمة وحسن توزيعها.

ومن تمام الهدي الإسلامي في الذبح أن يُذكر اسم الله على الذبيحة، وأن يكون الذبح بإحسانٍ ورحمةٍ وسكينة. وقد ثبت شرعًا أن التسمية والتكبير من هدي الذبح؛ ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحّى بكبشين أملحين أقرنين، وذبحهما بيده، وسمّى وكبّر. وهذا في أصله امتثالٌ وعبادةٌ قبل كل شيء، ثم إن بعض ما نُقل من الأخبار المخبرية يزيد المؤمن نظرًا وتأملًا في حكمة هذا الهدي.

فقد نشرت وكالة الأنباء الكويتية “كونا” في 20 فبراير 2003 خبرًا عن فريقٍ من كبار الباحثين وأساتذة الجامعات في سوريا، قيل إنه ضمّ نحو ثلاثين أستاذًا وباحثًا في الطب المخبري والجراثيم والفيروسات والعلوم الغذائية وصحة اللحوم والباثولوجيا التشريحية وصحة الحيوان والجهاز الهضمي، أجروا أبحاثًا مخبرية وجرثومية وتشريحية على مدى ثلاث سنوات، قارنت بين ذبائح ذُكر اسم الله عليها وكُبّر عند ذبحها، وذبائح ذُبحت بالطريقة نفسها دون تسميةٍ وتكبير. ونقل الخبر عن الدكتور خالد حلاوة، مسؤول الإعلام عن البحث، أن التجارب المخبرية أظهرت فرقًا في النسيج والزراعات الجرثومية؛ إذ وُصف اللحم المذبوح مع التسمية والتكبير بأنه خالٍ من النمو الجرثومي واحتقان الدم، بخلاف العينات الأخرى. كما تذكر مصادر ناقلة لتفاصيل التجربة أسماء من القائمين أو المشاركين، منهم الأستاذ الدكتور سعد مخلص يعقوب، والأستاذ الدكتور فايز الحكيم، والأستاذ الدكتور محمد نبيل الشريف من كلية الصيدلة بجامعة دمشق، والأستاذ الدكتور مروان السبع من جامعة حلب، كما ورد اسم عبد القادر الديراني في عرض خلفية البحث والدعوة إليه.

🔴 ولمن أراد الاطلاع المرئي على عرضٍ متداول لهذه التجربة وما قيل فيها عن أثر التسمية والتكبير في اللحم، فيمكنه البحث في يوتيوب بهذا العنوان: «وثائقي: الفرق بين اللحم الحلال والحرام _ سر التكبير»، إذ يعرض المقطع خلاصة الفكرة المتداولة حول المقارنة بين اللحم الذي ذُكر اسم الله عليه وكُبّر عند ذبحه، واللحم الذي ذُبح دون ذلك.

ومع هذا، فإن الواجب العملي أن يُراعى الهدي الإسلامي كاملًا، لا أن يقتصر الأمر على التسمية والتكبير وحدهما مع إهمال بقية الشروط؛ فذكر اسم الله والتكبير ينبغي أن يصاحبهما إحسان الذبح، وحدّة الشفرة، وعدم تعذيب الحيوان، وتوجيهه برفق، وإجراء التذكية على وجهها، وخروج الدم، ونظافة المكان والأداة، وسلامة النقل والحفظ والطبخ. فالهدي الإسلامي في الذبح يجمع بين العبادة والطهارة والرحمة والنظام، ويجعل اللحم الذي يصل إلى الناس رزقًا طيبًا تُراعى فيه طاعة الله، ورحمة المخلوق، وسلامة الآكل.

ومن هدي الإسلام في الطعام ألا يكون الإنسان عبدًا للشهوة ولا زاهدًا في الطيب زهدًا مصطنعًا. فقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم اللحم، وأكل من طيبات ما تيسر له، ولم يكن طعامه قائمًا على الترف ولا على الامتلاء الدائم. وهذا هو الميزان: قبول الطيب إذا حضر، وعدم التكلف إذا غاب، وعدم جعل اللحم عنوان الكرامة الوحيد ولا علامة الغنى الوحيدة.

وفي الضيافة، كثيرًا ما يُربط الكرم بكثرة اللحم. ولا شك أن إكرام الضيف من المروءة، لكن الكرم لا يعني أن نثقل المائدة فوق الحاجة، ولا أن نجعل الناس يأكلون فوق طاقتهم، ولا أن نحرج المريض والكبير ومن يريد الاعتدال. يمكن أن تكون المائدة كريمةً وفيها لحمٌ بقدر، وخضرة، وبقول، وماء، وفاكهة، وطعامٌ متوازن. الكرم الحقيقي أن تطعم ضيفك طعامًا طيبًا نافعًا، لا أن تخرجه من المائدة خاملًا مثقلًا.

وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. وهذه القاعدة تظهر بقوة في باب اللحوم والبيض والأسماك؛ لأن هذه الأطعمة قد تكون نافعة جدًا في قدرها، لكنها قد تتحول بالإسراف وسوء الإعداد إلى عبء. فالبيضة في موضعها غير طبقٍ غارقٍ في الزيت، وقطعة اللحم المعتدلة غير وجبةٍ دهنيةٍ ثقيلة، والسمك المشوي أو المطبوخ غير السمك المقلي في زيتٍ مكرر، والدجاج الطبيعي غير المنتج المصنع المملح المحشو بالإضافات.

ومن الأمور التي ينبغي الانتباه إليها سلامة المصدر. فاللحم الفاسد، أو السمك غير المحفوظ، أو البيض الملوث، أو الدجاج غير المطبوخ جيدًا، قد يحول الغذاء النافع إلى مرض. ولذلك فسلامة البروتين لا تقل أهمية عن قيمته. ينبغي أن يُشترى من مصدر موثوق قدر الإمكان، وأن يُحفظ مبردًا أو مطهوًا بطريقة سليمة، وأن لا يُترك مكشوفًا للذباب والغبار، وأن يُطبخ جيدًا، وأن تُفصل أدوات اللحوم النيئة عن الطعام الجاهز ما أمكن.
وينطبق ذلك كذلك على البيض والسمك والدجاج.

فالبيض ينبغي أن يكون من مصدرٍ مأمون، محفوظًا بطريقة سليمة، غير متروكٍ للحرارة والتلوث. والسمك ينبغي أن يكون من ماءٍ غير ملوث، وأن يُحفظ بعد صيده حفظًا صحيحًا، لأن فساد السمك سريع وخطره كبير. والدجاج واللحوم عمومًا ينبغي أن تُؤخذ من مصادر موثوقة، لا من تربيةٍ مجهولةٍ تُستعمل فيها أعلاف رديئة أو أدوية أو منشطات نمو أو هرمونات ضارة بغير ضابط. فسلامة البروتين لا تبدأ من المطبخ فقط، بل تبدأ من المزرعة والمرعى والماء والعلف، ثم تمر بالذبح والحفظ والنقل والطبخ.

وفي البيوت محدودة الدخل، لا ينبغي أن يكون غلاء اللحم سببًا للاستسلام إلى طعامٍ كله خبز وسكر. فإذا لم يتيسر اللحم، فهناك البيض حين يتيسر، واللبن أو الروب، والفول والعدس واللوبيا، والسمك في بعض المناطق، وكلها يمكن أن تسهم في سد جانب من حاجة الجسم للبناء. وفي البيوت الميسورة، لا ينبغي أن تتحول القدرة على شراء اللحوم إلى عادة إسرافٍ يومي. فالغنى ليس معناه أن يأكل الإنسان أثقل الطعام كل يوم، بل أن يملك فرصةً أكبر للاختيار الذكي والتنويع.

والبروتين لا يعمل وحده. فالذي يأكل لحمًا أو بيضًا أو سمكًا بلا خضروات، وبلا ماء كافٍ، ومع خبزٍ كثيرٍ وملحٍ وزيتٍ زائد، لا يأخذ وجبةً مثالية لمجرد أن فيها بروتينًا. والطبق المتوازن يحتاج إلى بناء كامل: بروتين مناسب، خضرة، نشويات بقدر، دهون قليلة نافعة، ماء، وحركة بعد ذلك. أما تحويل البروتين إلى محورٍ وحيدٍ للمائدة فيفقده جزءًا من حكمته.

ومريض الكلى، ومريض النقرس، وبعض مرضى القلب والكبد واضطرابات الدهون، يحتاجون إلى توجيه خاص في مقدار البروتين ونوعه. فلا يصح أن يسمع الإنسان مدح البروتين فيكثر منه بلا حساب، ولا أن يسمع التحذير من بعض الحالات فيتركه كله. المقال يقرر أصلًا عامًا، أما المريض فله حالته، وحالته يقدرها الطبيب. وهذا من تمام الفقه بالصحة: أن نفرق بين النصيحة العامة والحاجة الخاصة.

ومن الأسئلة العملية التي ينبغي أن يسألها البيت: هل نأكل البروتين بقدرٍ متوازن أم نجعله إسرافًا أو نهمله تمامًا؟ هل نكثر من اللحوم المصنعة بدل الطعام الطبيعي؟ هل نغرق البيض أو السمك أو اللحم في الزيت والملح؟ هل نقدم معه خضرةً وماءً ونشوياتٍ بقدر؟ هل نراعي حال الطفل والكبير والمريض؟ هل نجعل اللحم علامة الكرم الوحيدة؟ هل نستطيع أن ننوع بين اللحم والبيض والسمك والبقوليات بدل الاعتماد على نوع واحد؟.

إن اللحوم والبيض والأسماك من نعم الله إذا حضرت في موضعها، وأُخذت بقدرها، وأُعدت إعدادًا حسنًا. وهي من أبواب البناء والقوة، لكنها ليست دعوةً إلى الإفراط، ولا مبررًا لاحتقار البقول والخضروات والحبوب. فالقوة لا تأتي من اللحم وحده، والصحة لا تُبنى بالبروتين وحده، والمائدة الذكية هي التي تضع كل عنصرٍ في مكانه الصحيح.

وهكذا يكون الغذاء صحةً حين يكون البروتين خادمًا لبناء الجسد، لا بابًا للمباهاة والإفراط، ويكون مرضًا حين يتحول اللحم إلى ثقلٍ يومي، أو البيض إلى طبقٍ غارقٍ في الزيت، أو السمك إلى مقليٍّ دائم، أو البروتين المصنع إلى بديلٍ عن الطعام الطبيعي. ومن فهم هذا الميزان عرف أن اللحم والبيض والسمك رزقٌ نافع، لكن نفعه يكتمل حين تصحبه الخضرة، ويضبطه الاعتدال، وتحفظه النظافة، وتوجهه الحكمة، ويبدأ من مصدرٍ مأمونٍ في التربية والعلف والماء، ويشكره الإنسان بحسن استعماله لا بمجرد أكله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى