
في زمن تتعاظم فيه التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تصبح الكفاءة الوطنية ضرورة وجودية لا مجرد خيار اداري. فالدول لا تنهض بالشعارات، ولا تستقر بالمجاملات، بل بالعقول القادرة على اتخاذ القرار، وبالقيادات التي تؤمن بان بناء المؤسسات يبدأ من احترام العلم والخبرة والاستحقاق.
ومن هنا تبرز اهمية النهج الذي يتبناه سعادة رئيس مجلس الوزراء في تعيين اصحاب الكفاءات العلمية والمهنية في مواقع المسؤولية، باعتباره توجها يعيد الاعتبار لفكرة الدولة المؤسسية التي تقوم على الكفاءة لا العلاقات، وعلى الانجاز لا الولاءات الضيقة.
ان اختيار الكفاءات لا يمثل فقط قرارا اداريا ناجحا، بل يعكس رؤية سياسية واخلاقية تؤمن بان الوطن يستحق الافضل، وان المرحلة القادمة تحتاج الى اصحاب الفكر والخبرة والقدرة على العمل بروح المسؤولية الوطنية.
غير ان اي مشروع للاصلاح الحقيقي يواجه دائما مقاومة خفية من بعض البيئات الادارية المختلة، حيث يتحول التميز احيانا الى مصدر قلق، ويصبح المتفوق هدفا للحسد والتهميش بدل ان يكون محل تقدير ودعم.
وهنا يظهر ما يمكن وصفه بـ “الحسد المؤسسي”، وهو حالة نفسية وسلوكية تدفع بعض الافراد الى مقاومة الكفاءات خوفا من انكشاف ضعفهم او تراجع نفوذهم. لذلك نرى احيانا محاولات للتقليل من الانجازات، او تعطيل فرص التقدم، او تقديم الولاء الشخصي على الكفاءة المهنية.
وفي علم النفس التنظيمي، تعد هذه السلوكيات من اخطر معوقات التطوير المؤسسي، لانها تخلق بيئة طاردة للمبدعين، وتشجع على الصمت والجمود بدلا من المبادرة والابتكار.
فالمؤسسات الناجحة هي التي تعتبر الكفاءة قوة مضافة، لا تهديدا. والقائد الواثق لا يخشى اصحاب العقول اللامعة، بل يقترب منهم، لانه يدرك ان نجاح فريقه هو امتداد طبيعي لنجاحه.
كما ان القيم الدينية والاخلاقية تؤكد بوضوح ان معيار الاختيار يجب ان يقوم على القوة والامانة. قال تعالى: “ان خير من استأجرت القوي الامين”
فالقوة هنا تعني الكفاءة والقدرة، والامانة تعني النزاهة والاخلاق، وهما معا اساس اي مشروع وطني ناجح.
ان المجتمعات التي تحترم الكفاءات تبني الثقة في نفوس الشباب، وتمنحهم الايمان بان الاجتهاد ما زال طريقا حقيقيا للنجاح. اما حين يشعر الناس ان العلاقات تتقدم على الاستحقاق، فان ذلك يؤدي الى الاحباط، ويقتل روح المبادرة والطموح.
ولهذا، فان دعم الكفاءات ليس ترفا اداريا، بل ضرورة وطنية وحضارية. فالدول القوية لا تبنى بالخوف من العقول، بل بالاستفادة منها، ولا تنهض باقصاء المبدعين، بل بمنحهم الفرصة للمشاركة في صناعة المستقبل.
ان المرحلة الحالية تتطلب ترسيخ ثقافة تؤمن بان الكفاءة ليست خطرا على المؤسسات، بل ضمانة لاستمرارها ونجاحها. فحين تنتصر الدولة للعقل والخبرة، ينتصر الوطن كله.
فالضوء لا يخيف الاقوياء.. بل يكشف فقط من اعتادوا العيش في الظل.





