
في خطوة انتظرها الشارع السوداني طويلاً، جاء قرار رئيس مجلس الوزراء بتفعيل هيئة النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد ليؤكد أن الدولة بدأت تدخل مرحلة جديدة عنوانها الإصلاح والمحاسبة وسيادة القانون. وقد وجد القرار ترحيباً واسعاً وسط المواطنين، لأنه يمس واحدة من أخطر القضايا التي أثّرت على مستقبل السودان لعقود طويلة، وهي قضية الفساد بكل أشكاله وصوره.
كما أن اختيار القامة الشرطية الفريق شرطة عابدين الطاهر لرئاسة الهيئة يُعد اختياراً موفقاً يحمل دلالات مهمة، لما يتمتع به الرجل من خبرة طويلة في العمل الشرطي والأمني والإداري، إلى جانب ما عُرف عنه من انضباط ومهنية واحترام واسع داخل المجتمع السوداني. فقيادة معركة بهذا الحجم تحتاج إلى شخصية تمتلك الحزم والخبرة والقدرة على إدارة الملفات المعقدة بعيداً عن الضغوط والمجاملات.
إن مكافحة الفساد اليوم لم تعد مجرد قضية قانونية أو إدارية، بل أصبحت معركة وطنية ترتبط ببقاء الدولة نفسها. فالدول لا تسقط بالحروب فقط، وإنما قد تسقط عندما ينهار فيها العدل، وتضيع هيبة القانون، وتتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة للثراء واستغلال النفوذ. ولهذا فإن بناء دولة المؤسسات يبدأ أولاً بمحاربة الفساد وتجفيف منابعه.
لقد عانى السودان كثيراً من آثار الفساد خلال السنوات الماضية، حيث أُهدرت موارد ضخمة، وتعطلت مشاريع تنموية، وتراجعت الخدمات الأساسية، وازدادت معاناة المواطنين الاقتصادية والمعيشية. كما أدى غياب الشفافية إلى ضعف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وإلى هروب كثير من الاستثمارات التي تبحث دائماً عن بيئة مستقرة وواضحة تحكمها القوانين لا المصالح الشخصية.
وعلى المستوى السياسي، فإن نجاح هيئة النزاهة والشفافية يمكن أن يمثل نقطة تحول حقيقية نحو بناء حكم راشد يقوم على الشفافية والمحاسبة والمساواة أمام القانون. فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية أو إصلاح سياسي جاد في ظل غياب العدالة واستمرار الحماية للفاسدين. إن هيبة الدولة تُقاس بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وبمدى احترام المؤسسات لمبادئ النزاهة والشفافية.
أما اقتصادياً، فإن مكافحة الفساد تُعد البوابة الأساسية لأي نهضة اقتصادية حقيقية. فمحاربة التلاعب بالعطاءات، وإيقاف هدر المال العام، ومراقبة الموارد، ومحاربة التهريب والاحتكار، كلها خطوات تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتحسين بيئة الاستثمار. وتجارب كثير من الدول أثبتت أن التنمية تبدأ من الشفافية، وأن الاقتصاد لا يمكن أن ينمو في بيئة يسودها الفساد والمحسوبية.
وفي الجانب الاجتماعي، فإن أخطر ما يسببه الفساد هو تحطيم القيم داخل المجتمع. فعندما يرى الشباب أن النجاح مرتبط بالواسطة لا بالكفاءة، وأن الحقوق تُنال بالنفوذ لا بالقانون، تنتشر مشاعر الإحباط وفقدان الثقة والانتماء. ولذلك فإن نجاح مشروع مكافحة الفساد لا يعني فقط استرداد الأموال العامة، بل يعني أيضاً استعادة الثقة والأمل وبناء مجتمع يقوم على العدالة وتكافؤ الفرص
أما من الناحية الدينية والأخلاقية، فإن محاربة الفساد واجب شرعي ووطني، لأن جميع الأديان السماوية حرّمت الرشوة والظلم وأكل أموال الناس بالباطل، ودعت إلى الأمانة والعدل وصيانة المال العام. ولذلك فإن دعم هيئة النزاهة والشفافية يجب أن يكون مسؤولية جماعية تشارك فيها الدولة والمجتمع والعلماء والإعلام والمؤسسات التعليمية والشباب.
ومن المهم التأكيد على أن نجاح الهيئة لن يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى إرادة سياسية قوية، واستقلالية كاملة، وتوفير الحماية القانونية للمبلغين والشهود، إضافة إلى تفعيل الرقابة المؤسسية وتطوير القوانين التي تمنع استغلال النفوذ وتحاصر الفساد في جميع مستوياته.
كما أن الإعلام الوطني مطالب اليوم بلعب دور كبير في نشر ثقافة النزاهة والتوعية بمخاطر الفساد، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الشخصي، لأن معركة الإصلاح لا يمكن أن تنجح دون وعي مجتمعي واسع يؤمن بأن حماية الدولة تبدأ من حماية مؤسساتها ومواردها.
إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء مؤسساته على أسس العدالة والشفافية وسيادة القانون. وإذا توفرت الإرادة الصادقة والدعم الشعبي الحقيقي، فإن هيئة النزاهة والشفافية يمكن أن تتحول إلى بداية فعلية لمعركة استعادة الدولة السودانية، واستعادة ثقة المواطن في وطنه ومستقبله.
ويبقى الأمل قائماً في أن تتكاتف جميع القوى الوطنية خلف هذا المشروع الإصلاحي الكبير، حتى يصبح السودان دولة قوية وعادلة تحترم القانون، وتصون المال العام، وتفتح أبواب المستقبل أمام أبنائها بالأمانة والكفاءة والعدالة، لا بالمحسوبية والفساد.



