مقالات

الشرطي بين سندان الواجب ومطرقة القانون

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب | ترانيم الظلم

أشدّ أولًا على يد سعادة اللواء شرطة (م) الحسين محمد المكي، تقديرًا لما سطّره قلمه من وعيٍ مهنيٍ عميق وتجربةٍ ميدانيةٍ صادقة، وما حمله حديثه من إنصافٍ للشرطي في لحظةٍ طال فيها سوء الفهم والتجريح. ثم أستأذنه، بكل انضباط شرطي واحترامٍ واجب، في أن أبني على ما طرحه، لا مجادلةً ولا تعقيبًا، وإنما إسهامًا في ذات الحوار، وامتدادًا للفكرة من زاويةٍ فلسفيةٍ وأخلاقيةٍ وقانونية، خدمةً للمهنة وحمايةً للمجتمع.

فالحديث هنا ليس عن رصاصةٍ أُطلقت، بل عن ثانيةٍ واحدة يُطلب فيها من الشرطي أن يختصر القانون والضمير والخطر في قرارٍ واحد.
استخدام القوة في العمل الشرطي ليس مسألةً إجرائية تحكمها النصوص وحدها، بل هو سؤالٌ فلسفي وأخلاقي عميق يواجه كل شرطي في الميدان، في لحظةٍ يضيق فيها الزمن وتغيب فيها المعلومة الكاملة وتتكاثف فيها احتمالات الخطر. ولهذا ظل هذا الموضوع، عالميًا، واحدًا من أكثر القضايا التباسًا، مهما تعددت القوانين والورش والمؤتمرات.
الشرطة تعمل بطبيعتها داخل الأزمات، والأزمة لا تمنح وقتًا كافيًا ولا رؤيةً مكتملة ولا ظروفًا مثالية لاتخاذ القرار.

الشرطي يقرر وهو تحت ضغط التهديد واحتمال الخسارة ومسؤولية حماية الأرواح. وفي الجهة الأخرى يفكر المجرم أيضًا؛ يختار الزمان والمكان، يدرس انتشار الشرطة وتجهيزها، ويستبق ترددها أو قيودها، تمامًا كما تفعل الشرطة وهي تخطط للمواجهة.

المعضلة الجوهرية أن القانون يحاكم النتائج، بينما يقوم العمل الشرطي على الاحتمالات. القاضي يرى المشهد بعد أن يهدأ الغبار وتكتمل الوقائع، أما الشرطي فيعيش اللحظة قبل أن تتضح نهايتها. ثانيةٌ واحدة في الشارع قد تعني حياةً أو موتًا، لكنها لاحقًا تتحول إلى صفحاتٍ طويلة من التحليل في قاعة محكمة بعيدة عن ضغط الميدان وحرارته.

في الفلسفة السياسية، تحتكر الدولة استخدام القوة المشروعة لحماية المجتمع، غير أن هذه القوة لا يمارسها نصٌّ مجرد ولا مؤسسةٌ صامتة، بل إنسانٌ من لحمٍ ودم؛ يُطلب منه في لحظةٍ واحدة أن يكون ضابطًا، ومحلل مخاطر، وحارس أخلاق، وقاضي نوايا. هنا ينشأ التناقض الكبير حين نطالب بكمالٍ أخلاقي في واقعٍ ناقص بطبيعته ومشهدٍ لا يخلو من الغموض.

إذا تردد الشرطي واتاح للموقف أن يتفاقم اتُّهم بالتقصير وسوء التقدير، وإذا حسم الموقف سريعًا اتُّهم بالتجاوز والتعسف. في الحالتين يقف بين سندان الواجب ومطرقة القانون، يحمل عبء القرار ويتلقى نتائجه وحده. ويزداد هذا التناقض حدةً حين تتدخل السياسة فتُطلق يد الشرطة في ظرف، وتُكبّلها في ظرفٍ آخر، دون معيارٍ مهني ثابت أو رؤيةٍ طويلة المدى.

وما تشهده تجارب شرطية عالمية اليوم، حين يُسأل الشرطي لأنه حسم، ويُدان لأنه نجا، يؤكد أن الإشكال ليس محليًا ولا طارئًا، بل بنيوي في فهم طبيعة القوة المشروعة وحدودها، وفي الفجوة بين الميدان وغرفة الحكم.
يبقى السؤال الأهم: كيف نحافظ على الشرطي دون أن نبرر الخطأ أو نفتح باب الانفلات؟ الحفاظ على الشرطي يبدأ بتشريعاتٍ واضحةٍ وعادلة تُفرّق بين التعمد والخطأ المهني،

وتُقيّم القرار في سياقه الزمني والموضوعي، لا بعد نتائجه فقط. ويتطلب تدريبًا حقيقيًا على تقدير الموقف واتخاذ القرار تحت الضغط، لا الاكتفاء بتلقين النصوص والتعليمات.
كما أن الدعم النفسي والمؤسسي ضرورةٌ لا ترف؛ فالشرطي الذي يعمل تحت تهديدٍ دائم، ويواجه المساءلة وحده، يصبح أكثر هشاشةً وأقل توازنًا. ولا يقل أهمية عن ذلك خطابٌ إعلاميٌ مسؤول لا يحاكم الشرطة قبل اكتمال الحقائق، ولا يحولها إلى شماعةٍ لغضب المجتمع.

الفلسفة الشرطية العادلة لا تطلب حصانةً ولا تبرر تجاوزًا، لكنها تطلب فهمًا واقعيًا لطبيعة المهنة. فالشرطة ليست أداة قمع، ولا كائنًا ملائكيًا، بل مرآة المجتمع في لحظة أزمته. وحماية الشرطي، في جوهرها، ليست امتيازًا له، بل ضمانةٌ للمجتمع نفسه بأن من يحميه قادرٌ على اتخاذ القرار دون خوفٍ يشلّ الفعل، أو تهورٍ يدمّر الثقة.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى