هيبة الدولة تبدأ من الشارع: حصر السلاح واستعادة الطمأنينة في المدن
د. الشاذلي عبداللطيف يكتب | حديث الوطن

لا دولة بسلاحٍ خارج مؤسساتها. ولا أمن مع تعدد مراكز القوة.
بهذه الحقيقة البسيطة تبدأ كل مقاربة جادة لاستعادة الاستقرار في السودان. فالمشكلة لم تعد نظرية، بل واقع يعيشه المواطن يوميًا في أحيائه وأسواقه وطرقه؛ حيث تحوّل السلاح، في غير موضعه، من أداة حماية إلى مصدر قلق دائم، يهدد السكينة العامة ويُربك الحياة المدنية.
لقد أثبتت التجارب، بلا استثناء، أن انتشار السلاح داخل
المدن يخلق بيئة هشة، تتنازعها الولاءات، وتغيب فيها المرجعية الواحدة. وحين يتعدد من يحمل القوة، يضعف القانون، وتتآكل هيبة الدولة. لذلك، فإن حظر حمل السلاح داخل المدن ليس خيارًا إداريًا، بل ضرورة سيادية، تعيد تعريف من يملك القرار ومن يتحمل المسؤولية.
حصر السلاح بيد القوات المسلحة والأجهزة الشرطية وحدها، ليس تقليصًا لدور الآخرين، بل تعزيز لمفهوم الدولة نفسها. فهو يرفع من كفاءة الأداء، ويوحد القيادة، ويعيد للمؤسسات النظامية مكانتها الطبيعية كحارسٍ للأمن، لا شريكٍ في الفوضى.
ولا يقل أهمية عن ذلك، ضبط الزي العسكري، الذي يمثل في وجدان السودانيين قيمة الشرف والانضباط والتضحية. فحين يُرتدى هذا الزي خارج إطاره القانوني، يفقد معناه، ويتحول من رمز هيبة إلى مصدر التباس. ومنع ارتدائه لغير المخولين ليس إجراءً شكليًا، بل حماية لرمزية الدولة ومنعًا لانتحال الصفة وإرباك المشهد الأمني.
كما أن إزالة كافة المظاهر العسكرية من داخل المدن—من نقاط غير نظامية أو استعراضات للقوة—ليست مجرد خطوة تنظيمية، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على بسط سيطرتها. المدن ليست ميادين مفتوحة للقوة، بل فضاءات للحياة والعمل والإنتاج. وعودتها إلى هذا الدور هي بداية التعافي الحقيقي.
لكن المعادلة لا تكتمل دون المواطن. فالأمن في عصرنا لم يعد مسؤولية أجهزة فقط، بل شراكة واعية مع المجتمع. المواطن ليس متفرجًا، بل شريك في الحماية. والإبلاغ عن أي مظاهر تسلح داخل المدن، أو استخدام غير قانوني للزي العسكري، ليس وشاية، بل موقف وطني يحمي الجيران قبل أن يحمي الدولة.
ومن هنا، تصبح الحاجة ملحّة لتفعيل أرقام مجانية مخصصة لتلقي البلاغات، تعمل على مدار الساعة، مع ضمان السرية الكاملة وحماية المبلّغين. فحين تتوفر الثقة، ويتأكد المواطن أن صوته مسموع ومصان، يتحول إلى خط الدفاع الأول، وتصبح الوقاية أسبق من المواجهة.
إن استعادة هيبة الدولة لا تتحقق بكثرة الشعارات، بل بوضوح القواعد، وحزم التنفيذ، وثبات الرسائل. لا سلاح خارج الدولة. لا زي عسكري بلا صفة. لا مظاهر قوة خارج القانون.
تلك ليست إجراءات متفرقة، بل ملامح دولة تُبنى من جديد.
السودان اليوم أمام لحظة فاصلة: إما أن يُحسم فيها أمر السلاح والانضباط، أو تُترك المساحة لمزيد من التآكل. والطريق واضح لمن أراد أن يسلكه.
الدولة التي لا تحتكر السلاح، لا تحتكر القرار.
والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى قرارٍ واحد… يحمي الجميع.





