مني ابوزيد تكتب | هناك فرق | الروح تعرف القصة..!

“قلبك لا يكذبك في المرة الأولى، أنت فقط تتعلم كيف تعتذر لحدسك”.. الكاتبة..!
في علم النفس قاعدة تُسمى “الإيحاء العكسي”، كلما بالغ أحدهم في إقناعك بفكرة، تولَّد داخلك شكّ صامت، كأن الروح بطبيعتها ترفض أن تُدفَع دفعاً نحو ما ينبغي أن يُختار اختياراً. والإيمان تحديداً لا يحب الأصوات العالية،هو يشبه النبتة البرية التي كلما أحطتها بسياج من الاستعراض، ذبلت..!
يتحدث روبرت غرين عن خطورة تحويل القيم إلى أدوات نفوذ، يقول إن الفضيلة حين تُعرَض على المسرح تفقد براءتها، وتتحول إلى وسيلة للسيطرة. التدين حين يُبالَغ في إظهاره لا يعود طقساً بين العبد وربه، بل يصير خطاباً موجهاً للآخرين “انظروا إليَّ، أنا الأتقى”، وفي تلك اللحظة، لا يكون الله هو المقصود، بل الناس..!
لكن أرواحنا تعرف القصة منذ بدايتها، تلتقط النبرة الزائدة، والدمعة المؤجلة، والعبارة المصقولة أكثر مما ينبغي. لذلك قال ابن عربي إن “الخاطر الأول لا يكذب أبداً”. ذاك الإحساس الخفيف الذي يمر في القلب كنسمةٍ سريعة، ثم نحاول تجاهله بدافع الأدب أو حسن الظن. كم من شخص امتدحه الجميع، وبقي في داخلنا شيء لا يستريح إليه، ثم اكتشفنا لاحقاً أن حدسنا كان أصدق من كل شهادات التزكية..!
أرواحنا ترى ما لا يُقال، وتفهم ما يُخفى خلف البلاغة.
في العلاقات العاطفية يحدث هذا بصيغة أكثر رهافة وخطورة. رجلٌ يرفع راية التدين عالياً، ليس ليحمي العلاقة بقيمها، بل ليُخضعها لشروطه. يغلّف رغباته الشخصية بعبارات مقدسة، ويحوِّل الاختلاف إلى معصية، والاعتراض إلى قلَّة إيمان. هنا لا يكون الدين مرجعية مشتركة، بل سلطة أحادية. والمرأة التي يستهدفها خطابه، تجد نفسها في مواجهة نصوص تُقتطع من سياقها، لتُستخدم كسوطٍ ناعم لإخضاعها..!
وكذلك يفعل بعض التجار، حين يضعون على واجهاتهم عبارات الورع، بينما ميزانهم يميل خفيةً ناحية الربح وحده. يفعلها بعض الحكام أيضاً، حين يخلطون بين الطاعة لله والطاعة لهم، فيُصبح الاعتراض السياسي تمرداً أخلاقياً. هكذا تتشكل الأدلجة، حين يُختطف المعنى الروحي ويُعاد تصنيعه كأداة إدارة وسيطرة..!
الأدلجة الفكرية لمفهوم التدين أخطر من الإلحاد الصريح. لأن الإلحاد موقف واضح، أما التدين المؤدلج فمراوغ، يلبس ثوب الطمأنينة، بينما يزرع الخوف، يتحدث عن الآخرة ليصمت الناس عن الدنيا، يُكثر من الحديث عن الذنوب الفردية، ويتجاهل الخطايا العامة..!
التدين الحقيقي لا يحتاج إلى مجاهرة ولا يطلب تصفيقاً، ولا يهدد المختلفين. إنه حالة داخلية من الاتزان، تنعكس تواضعاً لا تعالياً، ورحمةً لا قسوة، وحريةً لا وصاية. وحين يتحوَّل إلى استعراض يفقد جوهره تماماً، كما تفقد الكلمة معناها إذا تكررت حتى الابتذال..!
ربما علينا أن نتساءل، لماذا نشعر أحياناً بالنفور من أكثر الخطابات وعظاً؟. لعل ذلك هو “الإيحاء العكسي” الذي يحدث في أعماقنا. فالفطرة تدرك أن ما يُبالَغ في عرضه قد يكون محاولة لإخفاء شيءٍ آخر.
الإيمان، في جوهره، علاقة سرية بين الإنسان وضميره. وكلما اقترب من الضجيج، ابتعد عن الصدق..!
هناك فرق بين من يتدين لأنه يخاف الله، ومن يتدين لأنه يريد أن يخافه الناس. والروح تدرك هذا جيداً، الروح تعرف القصة منذ البداية!.
صحيفة العودة
munaabuzaid2@gmail.com





