مقالات

ورفعنا لك ذكرك… حتى ترامب يتحدث عن انتشار اسم محمد

بهدوء وتدبر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

في تصريح لافت، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال تجمع سياسي بمدينة دالتون بولاية جورجيا يوم 16 أكتوبر 2026، ما فحواه: إذا لم تكن تعرف اسم شخص من الشرق الأوسط، فما عليك إلا أن تناديه بمحمد، وستكون لديك فرصة بنحو 65% أن تصيب اسمه. وأضاف أنه يفعل ذلك منذ سنوات ولم يخطئ قط.
ورغم أن التصريح جاء في سياق التهكم والمزاح، وأن النسبة المذكورة لا تستند إلى إحصاء علمي، فإنه يلفت النظر إلى حقيقة لا تخفى؛ فاسم محمد، بمختلف صيغ كتابته ونطقه، من أكثر أسماء الذكور انتشارًا في العالم، ولا يقتصر شيوعه على العرب أو الشرق الأوسط، بل يمتد إلى المسلمين في مختلف القارات. والمفارقة أن كلام ترامب نفسه، سواء قصد به المزاح أو السخرية، أصبح مظهرًا آخر من مظاهر انتشار اسم محمد؛ إذ جرى على لسان رئيس الولايات المتحدة، وتناقلته وسائل الإعلام، دون أن يكون القصد من الحديث تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أو الإشادة به.
وما أبلغ أن نتأمل هذه الظاهرة في ضوء قول الله تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]. إنها آية قصيرة في ألفاظها، عظيمة في دلالاتها، تتجلى معانيها في صور لا تكاد تُحصى، عبر القرون والقارات والألسنة والأجيال.

فمنذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، لم ينقطع ذكر محمد صلى الله عليه وسلم من حياة المسلمين؛ يُذكر اسمه في الشهادتين، ويرتفع في الأذان والإقامة، ويتردد في الصلوات والخطب والدروس، ويقترن ذكره بالصلاة والسلام عليه في مشارق الأرض ومغاربها. ومع تعاقب الليل والنهار واختلاف مواقيت الصلاة، تتوالى أصوات المؤذنين في أنحاء العالم بالشهادة أن محمدًا رسول الله. ومن أعظم مظاهر التكريم الإلهي أن يقترن الإقرار برسالته بالشهادة بوحدانية الله تعالى في شعار الإسلام الأعظم؛ فلا تكاد تُذكر شهادة التوحيد في الأذان والإقامة والتشهد إلا وتعقبها الشهادة بأن محمدًا رسول الله.

وقد عبّر شاعر الرسول حسان بن ثابت رضي الله عنه عن هذا المعنى بأبيات بليغة أوردها أهل العلم في كتبهم، فقال:
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ
مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيُشْهَدُ
وَضَمَّ الإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ
إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ
فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
ولم يقف رفع ذكره عند ذلك؛ فقد جعل الله الصلاة عليه عبادة يتقرب بها المؤمنون إليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشرًا» رواه مسلم. فأي تكريم أعظم من أن يأمر الله المؤمنين بالصلاة والسلام على نبيه، ويجعل في ذلك أجرًا يتجدد على مر الأجيال؟

ومن معالم رفع ذكره أن اسمه أصبح من أحب الأسماء إلى قلوب المسلمين، يسمون به أبناءهم تيمّنًا به ومحبة له، ويتوارثونه جيلًا بعد جيل، من إندونيسيا وماليزيا وبنغلاديش وباكستان والهند إلى البلاد العربية وتركيا وأفريقيا وأوروبا والأمريكتين. وقد تعددت صيغ كتابته باختلاف اللغات، وبقي الاسم واحدًا في أصله ودلالته.
ولعل من أبلغ الشواهد المعاصرة أن اسم محمد لم يعد يتصدر قوائم المواليد في بعض المجتمعات الإسلامية وحدها، بل أصبح في مقدمة أسماء المواليد الذكور في بعض المجتمعات الغربية. ففي إنجلترا وويلز، تصدر اسم Muhammad قائمة أسماء المواليد الذكور ثلاثة أعوام متتالية، هي 2023 و2024 و2025، وفق بيانات تسجيل المواليد. واللافت أن هذه الإحصاءات احتسبت صيغة Muhammad وحدها، دون أن تضم إليها المواليد المسجلين بصيغ أخرى للاسم نفسه، مثل Mohammed وMohammad، رغم أنها جميعًا تعني محمد. ومع ذلك، تصدرت صيغة واحدة من الاسم القائمة، وهو ما يكشف مدى انتشاره حتى في مجتمعات تختلف غالبية سكانها عن المسلمين دينًا وثقافة.

ومن شواهد رفع ذكره كذلك أن سيرته تُقرأ وتُدرّس، وسنته تُروى وتُحفظ، وأقواله وأفعاله وهديه تُبحث وتُتبع، وأن المسلمين يحرصون على الاقتداء به في عباداتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم. وقد نشأت لحفظ حديثه وتمييز صحيحه من سقيمه علوم ومناهج دقيقة، توارثها العلماء عبر القرون.
ولم يقتصر الاهتمام بشخصيته وأثره على المسلمين، بل امتد إلى باحثين ومؤرخين ومفكرين من غير المسلمين. ومن أبرز الأمثلة ما كتبه الباحث الأمريكي مايكل هارت في كتابه الشهير «الخالدون مائة»، الصادر عام 1978، إذ وضع النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم في المرتبة الأولى بين مائة شخصية اختارها باعتبارها الأكثر تأثيرًا في مجرى التاريخ البشري، متقدمًا في ترتيبه على كبار العلماء والقادة والمفكرين والشخصيات الدينية.

وقد أوضح هارت أن اختياره محمدًا صلى الله عليه وسلم في مقدمة القائمة قد يثير دهشة بعض القراء واعتراض آخرين، ولكنه رأى أنه الشخصية الوحيدة في التاريخ التي حققت نجاحًا بالغًا على المستويين الديني والدنيوي معًا. ولم يكن معياره المنزلة الدينية أو الأفضلية الأخلاقية، وإنما حجم التأثير التاريخي. وتكتسب هذه الشهادة دلالتها من أنها جاءت في دراسة أجراها باحث غير مسلم، انتهى فيها إلى وضع محمد صلى الله عليه وسلم في مقدمة الشخصيات الأكثر تأثيرًا في تاريخ البشرية.
وجعل الله اتباع نبيه سبيلًا إلى محبته، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» متفق عليه.

ومن أعظم مظاهر رفع ذكره أن رسالته لم تبق محصورة في قومه أو لغته أو موطنه، بل امتدت إلى شعوب العالم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. واليوم يدين بالإسلام أكثر من ملياري إنسان، غالبيتهم من غير العرب، يجمعهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، رغم اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وأوطانهم.
ولم ينقطع ذكره حتى على ألسنة مخالفيه؛ فمنهم من يدرس سيرته، ومنهم من يناقش رسالته، ومنهم من يتناوله بالنقد، فيتصدى المسلمون لما يرونه باطلًا من ذلك بالحجة والبيان. غير أن رفع ذكره أسمى من مجرد تردد اسمه على الألسنة؛ فهو تكريم إلهي تتجلى آثاره في منزلته وما أودعه الله في قلوب المؤمنين من محبته واتباعه.

لقد رحل ملوك وأباطرة وقادة ملأت أسماؤهم الدنيا في عصورهم، ثم تراجع ذكر كثير منهم بانقضاء سلطانهم، وحتى من بقي ذكره، بخير أو شر، فقد ظل متفاوتًا من شخص إلى آخر، لا يُقارن بسعة انتشار اسم محمد صلى الله عليه وسلم ودوام ذكره؛ فقد مضى على وفاته نحو أربعة عشر قرنًا، وما زال اسمه يتردد كل يوم في حياة أعداد لا تُحصى من البشر، بين أمم الأرض وشعوبها جميعًا، على تفاوت أعدادهم من أمة إلى أخرى، لا بسلطان دولة واحدة، ولا بقوة جيش، وإنما بإيمان راسخ في قلوب أتباعه، ومحبة تتوارثها الأجيال، ورسالة تجاوز أثرها حدود الزمان والمكان.
ثم تأمل وجهًا آخر من وجوه رفعة ذكره صلى الله عليه وسلم: هل عرف التاريخ شخصًا مضى على وفاته نحو أربعة عشر قرنًا، ولا تزال أعداد غفيرة من مختلف شعوب الأرض وبلدانها تتوافد إلى مسجده، آناء الليل وأطراف النهار، على مدار العام، كما هو الحال مع محمد صلى الله عليه وسلم؟ لقد توفي في المدينة المنورة سنة 11 للهجرة، الموافق 632 للميلاد، ودُفن في حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولا يزال قبره الشريف معلوم الموضع في المسجد النبوي، الذي يؤمه المسلمون للصلاة فيه، ويسلّمون على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره، محبةً وإجلالًا له، وإيمانًا برسالته واتباعًا لهديه. فأي ذكر أبقى، وأي محبة أعظم؟

وهنا تتجلى المفارقة التي بدأنا بها: أن يتحدث رئيس الولايات المتحدة ساخرًا أو مازحًا عن شيوع اسم محمد، فيصبح حديثه نفسه، من حيث لا يقصد، وسيلة أخرى لانتشار ذلك الاسم على ألسنة الناس. وليس في ذلك ما يقتضي اعتبار كلامه إشادة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو شاهد على مدى حضور اسمه، حتى أصبح موضوعًا لحديث قادة العالم، ودراسات الباحثين، وإحصاءات المواليد في مجتمعات شتى.
وهكذا تتعدد الشواهد، من الأذان الذي لا ينقطع، والصلاة التي تتجدد، والمحبة التي تتوارثها الأجيال، إلى انتشار الاسم واتساع الرسالة ودوام التأثير، ويبقى الأصل الذي تلتقي عنده هذه المظاهر كلها هو الوعد الإلهي الذي سبقها بقرون: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.
صدق الله العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى