مقالات

غانا والذهب… من المطاردة إلى إصلاح السوق

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

 

 

لم تعالج غانا التعدين غير المشروع بالقوة وحدها، ولم تقضِ عليه نهائيًا، وإنما بنت منظومة جمعت بين تقنين التعدين الأهلي والصغير، وتحديد المواقع المرخصة، ورقمنة الإجراءات، وتسجيل المعدنين والمعدات، وتنظيم شراء الذهب وتصديره، ومكافحة التهريب، مع استمرار حملات حماية الأنهار والغابات من النشاط المخالف.
وقد فرّقت قانونيًا بين التعدين الصغير المرخص وبين التعدين غير المشروع المعروف باسم «غالامسي». فالتعدين الأهلي ليس ممنوعًا في ذاته، لكنه يجب أن يتم بواسطة مواطنين غانيين، وفي مواقع محددة، وبرخصة وشروط فنية وبيئية معلومة. وعندما لجأت الدولة إلى الحظر والمداهمات ومصادرة الآليات، لم تُنهِ المشكلة؛ لأن المعدن كان يعود بعد مغادرة القوات أو ينتقل إلى موقع آخر، ما دامت شبكات التمويل والشراء والتهريب قادرة على استيعاب إنتاجه.

لذلك انتقلت غانا من مطاردة المعدن داخل الحفرة وحده إلى تنظيم سلسلة الذهب كلها: الموقع، والرخصة، والمعدات، والإنتاج، والمشتري، والفحص، والتصدير، وحصيلة الصادر. وفي عام 2025 أنشأت مجلس الذهب الغاني «Ghana Gold Board – GoldBod»، وجعلته الجهة الوحيدة المسموح لها بتصدير ذهب التعدين الأهلي والصغير، مع السماح لمشترين ومجمّعين خاصين مرخصين بالعمل داخل منظومته.
وقد ساعد هذا الترتيب على توحيد التتبع وضبط جانب من الحصائل، لكنه لا يمثل بالضرورة الصيغة الاقتصادية المثلى؛ إذ يمكن تحقيق الغرض نفسه بكفاءة أكبر بالسماح لعدد من الشركات الخاصة المؤهلة والمرخصة بشراء الذهب وتصديره مباشرة عبر النظام المصرفي والجمركي الرسمي، بعد التحقق من مصدره ووزنه وعياره، وسداد الرسوم والإتاوات المعقولة، وإعادة حصيلة الصادر كاملة عبر النظام المصرفي، على أن يقتصر دور الدولة على التنظيم والرقابة والفحص والتحصيل، وأن يكون لها كذلك حق الشراء والتصدير دون احتكار.

ونتيجة للمنظومة الغانية ارتفعت صادرات الذهب المسجلة من قطاع التعدين الأهلي والصغير من نحو 63.6 طنًا في عام 2024 إلى قرابة 103 أطنان في عام 2025، بعائدات معلنة بلغت نحو 10.8 مليارات دولار. ولا تعني هذه الأرقام أن كل الزيادة إنتاج جديد، أو أن جميع الذهب استُخرج بطريقة قانونية وبيئية سليمة، لكن من المرجح أن جزءًا معتبرًا منه كان يتسرب سابقًا عبر التهريب ثم دخل القنوات الرسمية.
والسؤال الأهم هو: لماذا اتجه البائعون إلى القناة الرسمية؟ الجواب أن غانا لم تعتمد على الإكراه وحده، بل جعلت السعر الرسمي قادرًا على منافسة السوق الخفية، وربطت شراء الذهب بسعر قريب من السعر العالمي، مع توفير التمويل للمشترين المرخصين وتشديد الرقابة على التهريب.

وهذا النجاح النسبي ما كان ممكنًا لولا أن سعر صرف السيدي الغاني مرن، يتحدد أساسًا وفق العرض والطلب، ولا تفرض الحكومة للدولار سعرًا إداريًا ثابتًا مخالفًا للسوق. وقد يتدخل البنك المركزي ببيع النقد الأجنبي أو شرائه لتخفيف التقلبات أو بناء الاحتياطيات، لكنه يفعل ذلك داخل السوق، لا بإلغاء آلية العرض والطلب أو فرض سعر مصطنع.
ومن هنا كان تحرير سعر الصرف شرطًا تأسيسيًا لاجتذاب الذهب إلى القنوات الرسمية، وإن لم يكن العامل الوحيد. فهو الذي سمح بتحويل السعر العالمي للذهب إلى مقابل محلي قريب من قيمته الحقيقية، ثم جاءت فوقه عناصر التسعير التنافسي، والتمويل، والترخيص، والفحص، والتتبع، وتنظيم التصدير، ومكافحة التهريب.
أما حين تشتري الدولة الذهب وفق سعر صرف إداري منخفض، فإنها تنتقص عمليًا من حق المنتج، وتجعل السوق الموازية أقدر منها على الدفع. وعندئذ يصبح التهريب نتيجة اقتصادية متوقعة، لا مجرد مخالفة تعالج بالمصادرات والقوات؛ فالمهرّب يستطيع أن يمنح المنتج سعرًا أعلى، ويحتفظ لنفسه بجزء من الفارق الذي صنعته السياسة الرسمية.

ومع ذلك، لا تمثل التجربة الغانية نجاحًا كاملًا؛ فالتعدين غير المشروع وتلوث الأنهار لم ينتهيا، كما أن مركزية شراء الذهب وتصديره قد تتحول إلى احتكار ضار إن غابت الشفافية والمراجعة.
والدرس الأهم للسودان أن الذهب لا يعود إلى القنوات الرسمية بالخطب والمصادرات وحدها، بل عندما تصبح هذه القنوات أكثر عدلًا ويسرًا وأمانًا من التهريب. ويبدأ ذلك بسعر صرف محرر، وسعر شراء قريب من السعر العالمي، وإجراءات رقمية ميسرة، ورسوم معلومة ومعقولة، وتتبع كامل للذهب، ثم عقوبات حاسمة على من يصر على العمل خارج النظام.
فالسوق الموازية لا تختفي لمجرد تجريمها، وإنما تنكمش حين تزول مصلحتها الاقتصادية. فإذا صار السعر الرسمي هو السعر الحقيقي المعلن في النور، وأتيح للقطاع الخاص المؤهل أن يشتري ويصدر في منافسة قانونية شفافة، أصبح التهريب مخاطرة بلا عائد مغرٍ، واستطاعت الدولة أن توجه رقابتها إلى الجريمة الحقيقية، بدل مطاردة سوق أسهمت سياساتها الخاطئة في صنعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى