مقالات

حوار الداخل: تأسيسٌ جذري أم تدويرٌ نمطي؟

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

لم يعد السودان في حاجة إلى حوار جديد بالمعنى الذي اعتاده الناس في سنواتٍ طويلة من المؤتمرات والبيانات والتفاهمات العابرة، بل هو اليوم في حاجة إلى حوارٍ من نوع آخر؛ حوارٍ لا يكتفي بجمع الأسماء، ولا بتبادل الخطب، ولا بإنتاج وثيقة تُضاف إلى أرشيف الأزمات، وإنما حوارٌ يضع يده على أصل الداء، ويبحث في كيفية استعادة الدولة من التفكك، والسيادة من الارتهان، والمجتمع من النزيف، والاقتصاد من الاختناق، والسياسة من الدوران العقيم حول الأشخاص والمناصب والتحالفات المؤقتة.

ومن هنا تكتسب دعوة الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، إلى حوار سياسي شامل داخل السودان أهمية خاصة من حيث الأصل، لا لأنها دعوة صادرة عن شخص بعينه، ولا لأنها تكفي بذاتها لحل الأزمة، بل لأنها تطرح سؤالًا جوهريًا ظل غائبًا أو مغيّبًا في كثير من المحطات السابقة: هل يمكن للسودانيين أن يجلسوا داخل وطنهم، وعلى أرض معاناتهم، وبين ركام مدنهم وقراهم ومؤسساتهم، ليؤسسوا حوارًا سودانيًا حقيقيًا لا تصنعه العواصم الخارجية، ولا تحدد سقفه رغبات الدول، ولا تحكمه صفقات الأطراف، وإنما تنبع روحه من وجعة الناس، ومن حقهم في وطن آمن، ودولة مستقرة، وعدالة واضحة، ومستقبل لا يُرهن مرةً بعد مرة لأجندات لا ترى السودان إلا من خلال مصالحها؟

إن رفض الحلول المفروضة من الخارج من حيث المبدأ موقف مفهوم، بل مطلوب؛ لأن السودان جرّب طويلًا أن يكون ملفًا على موائد الآخرين، وأن تُناقش قضاياه في عواصم بعيدة، وأن تتزاحم حول أزماته الوساطات والمبادرات والمصالح، ثم لا يجد المواطن في النهاية أمنًا، ولا خبزًا، ولا علاجًا، ولا تعليمًا، ولا طريقًا سالكًا، ولا دولةً تحميه. لكن رفض الخارج لا يكتمل معناه إلا إذا قابله صدقٌ في الداخل؛ فليس كافيًا أن نقول لا للإملاء الخارجي، ثم نعيد في الداخل أسباب الفشل نفسها التي فتحت الباب لذلك الإملاء أصلًا. فالسيادة لا تُستعاد بالشعارات وحدها، وإنما تُستعاد بدولة قوية، ومؤسسات راشدة، وقرار وطني مستقل، وعدالة لا تنتقي، وإدارة تعرف ماذا تريد وكيف تصل إليه.

ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل نتحاور أم لا؟ فالحوار في مثل حال السودان ضرورة لا ترفًا، وواجب لا خيارًا. وإنما السؤال الحقيقي هو: أي حوار نريد؟ هل نريد حوارًا شكليًا يكرر العبارات نفسها وينتهي إلى بيانات عامة؟ أم نريد حوار محاصصة يبحث فيه كل طرف عن نصيبه من السلطة؟ أم نريد حوارًا تأسيسيًا يضع قواعد الدولة القادمة، ويمنع تكرار الكارثة، ولا يكتفي بمعالجة آثار الحرب الظاهرة، بل يذهب إلى اختلالات الدولة السودانية المتراكمة منذ ما قبل الاستقلال وبعده وحتى هذه اللحظة؟

فالمطلوب ليس حوارًا لإدارة الخلاف السياسي العابر، ولا لقاءً جديدًا لترتيب المواقع وتقريب المسافات بين القوى، وإنما حوارٌ رُكنيٌّ يمسّ أساس الدولة نفسها: كيف تُبنى؟ وعلى أي قواعد تقوم؟ وكيف تُحمى من تكرار الحرب والتفكك والارتهان؟ فالأزمة السودانية لم تعد أزمة حكومة تُشكَّل أو سلطة تُقسَّم، بل صارت أزمة بنية كاملة، تداخل فيها ضعف المؤسسات، وتعدد مراكز القوة، واضطراب الاقتصاد، وتراكم المظالم، وخلل الإدارة، وانكشاف القرار الوطني أمام ضغوط الخارج. ومن ثم فإن الحوار الجاد لا ينبغي أن يبدأ من سؤال: من يأخذ نصيبه من الحكم؟ بل من سؤال أعمق: كيف نستعيد الدولة، ونبني مشروعًا وطنيًا جامعًا، ونضع قواعد واضحة تمنع إعادة إنتاج التجارب السابقة بأسماء جديدة؟

السودان لا يحتمل اليوم إلا هذا النوع من الحوار: حوار تأسيس دولة، لا حوار توزيع مقاعد. حوار يبحث في معنى الدولة الواحدة، والجيش الواحد، والسلاح الواحد، والقانون الواحد، والسيادة الواحدة. حوار يتفق أولًا على أن وجود أي قوة مسلحة خارج سلطان الدولة لا ينبغي أن يُعامل بوصفه اختلافًا سياسيًا عاديًا، بل بوصفه خطرًا كبيرًا على كيان الوطن واستقرار الدولة. وحوار يقرر بوضوح أن السياسة لا يمكن أن تُبنى على البندقية، وأن السلطة لا يجوز أن تُنتزع بقوة السلاح، وأن أي انتقال مدني لا يقوم على احتكار الدولة للقوة المشروعة سيظل انتقالًا هشًا قابلًا للانهيار عند أول صدام.

وحين يقال إن الحوار ينبغي أن يكون مع “أصحاب الوجعة”، أي المتضررين المباشرين من الحرب والانهيار، فهذه عبارة عميقة إن أُحسن فهمها، وخطيرة إن تُركت بلا تعريف. فأصحاب الوجعة ليسوا السياسيين وحدهم، ولا النخب التي اعتادت الكلام باسم الناس، ولا الذين يحضرون عند كل منصة ويغيبون عند كل محنة. أصحاب الوجعة هم النازحون الذين خرجوا من بيوتهم بلا عودة قريبة، وأسر الشهداء، وأهل القرى المنكوبة، والمزارعون الذين ضاعت مواسمهم، والتجار الذين تهدمت أسواقهم، والعمال الذين فقدوا أعمالهم، والأطباء والمعلمون والمهندسون وأصحاب المهن، والشباب الذين صارت أحلامهم مؤجلة بين الحرب والهجرة والبطالة، والنساء اللائي حملن أثقال البيوت والنزوح والخوف، وأهل الأقاليم الذين ظلوا يدفعون ثمن المركزية والخذلان. هؤلاء لا يجوز أن يكونوا ديكورًا في الحوار، بل ينبغي أن يكونوا في قلب معناه، لأن الدولة إن لم تُبنَ لأجلهم فلن تكون دولة عادلة ولا مستقرة.

غير أن الحوار، مهما حسنت نواياه، لن ينجح ما لم يدخل في القضايا الحقيقية دون التفاف. وأول هذه القضايا:
(1) إنهاء ظاهرة المليشيات والجيوش المتعددة، وبناء جيش وطني مهني واحد، يخضع للدستور والقانون، ويحمي البلاد، ويؤدي دوره في إطار المؤسسات الشرعية، ويكون فوق الانتماءات الحزبية والجهوية والقبلية.
(2) ترسيخ العدالة والمساءلة، لا بوصفها انتقامًا، بل بوصفها شرطًا للسلام؛ فلا مصالحة راسخة بلا إنصاف، ولا استقرار بلا كشف للحقائق، ولا مستقبل بلا مساءلة عادلة لكل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات في حق الوطن والمواطنين.
(3) إصلاح الاقتصاد ووضعه في قلب الحوار، لأن الحرب لا تنفصل عن الفقر، والفقر لا ينفصل عن فساد الإدارة، وفساد الإدارة لا ينفصل عن القيود والخنق والجبايات والفوضى وغياب الشفافية.
(4) تحرير سعر الصرف عبر منصة مركزية شفافة، تعلن الأسعار في النور وفق العرض والطلب، لا عبر التوجيه الإداري ولا عبر السوق المظلم.
(5) تحرير التجارة والاستثمار والعمل، وإزالة العوائق أمام الإنتاج والتصدير والتحويلات، حتى يتحول الاقتصاد من الاختناق إلى الحركة، ومن الطرد إلى الجذب، ومن الفوضى إلى الانضباط.
(6) إطلاق الرقمنة الشاملة، لضبط المال العام، وإغلاق أبواب الفساد، وتحويل الدولة من جهاز متعثر إلى منظومة حديثة قابلة للمساءلة والقياس.
(7) إصلاح الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة، حتى تصبح الدولة جهازًا يخدم الناس لا عبئًا عليهم، وإدارة تحترم وقت المواطن وكرامته.

(8) تطوير التعليم والصحة والحكم المحلي، لأنها ليست ملفات خدمية هامشية، بل أعمدة بقاء الدولة والمجتمع. وهذا التطوير لا يُطلب من فراغ، ولا من خزينة مختنقة على حالها، وإنما يتنزل تلقائيًا وبصورة متدرجة متى طُبقت الحزمة الكلية للإصلاح: تحرير سعر الصرف عبر منصة شفافة، وإنفاذ القانون، وتحرير النشاط الاقتصادي، والبدء الجاد في الرقمنة والحوكمة، وضبط الإيرادات والمصروفات، ومحاصرة الفساد والهدر؛ فحين يتحرك الاقتصاد، وتتسع القاعدة الإنتاجية، وتعود التحويلات والاستثمارات إلى القنوات الرسمية، تبدأ موارد التعليم والصحة والحكم المحلي في التكون من داخل الإصلاح نفسه.

(9) توفير البيئة الصالحة والمعينات اللازمة والتقنية الرقمية الحديثة للقضاء والشرطة والنيابة، حتى تؤدي هذه المؤسسات أدوارها بكفاءة وعدالة وسرعة وشفافية.
فالدولة ليست خطابًا سياسيًا، بل مؤسسات تعمل، ومنظومات تخدم الناس، وإجراءات واضحة تحفظ الحقوق، وتمنع الفوضى، وتقرّب العدالة والخدمة من المواطن. ولا معنى لحوار يتحدث عن الديمقراطية والاستقرار بينما المواطن يفتقد بيئة كلية سليمة، ومؤسسات منضبطة، ومنظومات فاعلة، لا يجد من غيرها خدمة ميسّرة، ولا وثيقة بلا عناء، ولا دواءً متاحًا، ولا كهرباء مستقرة، ولا طريقًا آمنًا، ولا إدارة تحترم وقته وكرامته. إن بناء الدولة يبدأ من التفاصيل التي يلمسها الناس كل يوم، لا من العبارات الكبيرة وحدها.
ومن أخطر ما ينبغي التنبه له ألا يتحول الحوار إلى وسيلة لإعادة تدوير الأزمة. فقد عرف السودان كثيرًا من اللحظات التي أُعطيت فيها العناوين الجميلة لمشروعات ناقصة، ثم انتهى الأمر إلى خيبة جديدة. ولذلك لا بد من شروط واضحة، في مقدمتها:
(1) تحديد أهداف الحوار قبل انعقاده.
(2) إعلان معايير المشاركة بوضوح وشفافية.
(3) منع تحويل الحوار إلى محاصصة سياسية أو توزيع جديد للمواقع.
(4) استبعاد كل من تثبت مسؤوليته، عبر مسار عدلي معتبر، عن الدم والنهب والانتهاكات الجسيمة.
(5) تمثيل حقيقي للمتضررين وأصحاب الوجعة، لا تمثيلًا رمزيًا أو شكليًا.
(6) إشراك الخبراء وأهل الاختصاص في محاور الاقتصاد، والقانون، والإدارة، والأمن، والرقمنة، والخدمات.
(7) وضع جدول زمني محدد للحوار ومخرجاته.
(8) ربط النتائج بآليات تنفيذ واضحة، لا بمجرد توصيات عامة.
(9) إنشاء آلية متابعة وقياس ومحاسبة، حتى لا تتحول المخرجات إلى وعود قابلة للنسيان.
فالحوار الذي لا يملك آلية تنفيذ يتحول إلى خطبة طويلة، والحوار الذي لا يملك ضمانات يتحول إلى وعد قابل للنسيان.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى حوار يدفن آثار الحرب بالكلمات، بل إلى حوار يقتلع أسباب الحرب من الجذور. لا يحتاج إلى مجلس جديد يضاف إلى المجالس، ولا إلى منصة جديدة تضاف إلى المنصات، بل يحتاج إلى لحظة صدق وطنية تقول بوضوح إن طريق ما قبل الحرب لا يصلح لما بعد الحرب، وإن الدولة التي سمحت بتعدد السلاح، واختلال الاقتصاد، وضعف القانون، وتدخل الخارج، وفساد الإدارة، لا يجوز أن تُعاد بالمنهج نفسه ثم ننتظر نتيجة مختلفة.

قد تكون دعوة الحوار الداخلي فرصة، ولكنها لن تكون فرصة حقيقية إلا إذا ارتفعت فوق الحسابات الضيقة. فإذا تحولت إلى اصطفاف سياسي ضد طرف، أو إلى غطاء لإقصاء غير عادل، أو إلى إعادة ترتيب للسلطة دون إصلاح بنية الدولة، فإنها ستفقد معناها سريعًا. أما إذا صارت مدخلًا لبناء عقد وطني جديد، يقوم على السيادة، والعدالة، ووحدة السلاح، وحرية الاقتصاد المنضبطة بالقانون، والرقمنة الشاملة، وإصلاح المؤسسات، وتمثيل أصحاب الوجعة تمثيلًا صادقًا، فإنها قد تكون بداية طريق الخلاص.

ولكي لا يبقى الحوار كلامًا حسنًا بلا ثمرة، فإن مخرجه الأكبر ينبغي أن يكون رؤية وطنية متكاملة لتأسيس حكم السودان على قواعد جديدة، تجمع ما سبق من وحدة السلاح، وترسيخ العدالة، وإصلاح الاقتصاد، وتحرير سعر الصرف، وإطلاق الرقمنة، وإصلاح المؤسسات، وتمثيل أصحاب الوجعة، وحماية القرار الوطني، ثم تُحوِّل هذه المعاني من عناوين عامة إلى برامج تنفيذية واضحة، بمراحل زمنية، وجهات مسؤولة، ومؤشرات أداء، وآليات متابعة ومحاسبة.

ومن بين هذه البرامج، تبرز مسألة الخدمات الحرجة بوصفها مدخلًا عمليًا لإعادة الثقة بين المواطن والدولة. فالدولة التي لا ترى الحفرة القاتلة في الطريق، ولا العطل المتكرر في الشبكة، ولا الخلل في التطبيقات المصرفية، ولا عودة الكهرباء بجهد مدمّر للأجهزة والمعدات، ولا تعطل المياه والصرف الصحي والمستشفيات ومخازن الدواء والغذاء، هي دولة تفقد حضورها اليومي في حياة الناس، ولو رفعت أكبر الشعارات السياسية.
ولذلك ينبغي أن تشمل هذه الرؤية إنشاء آلية وطنية رشيقة للخدمات الحرجة والاستجابة السريعة، لا بوصفها جهازًا مترهلًا جديدًا، بل بوصفها مركز متابعة وتنسيق ومساءلة، يحدد الخدمات التي لا يحتمل تعطّلها أو تدهورها، ويتلقى البلاغات، ويقيس زمن الاستجابة، ويربط المواطن بالجهات المسؤولة.

وتشمل الخدمات الحرجة، في مرحلتها الأولى، ما يأتي:
(1) الطرق الحيوية وما يرتبط بها من حفر وانهيارات ومخاطر مرورية عاجلة.
(2) الاتصالات وشبكاتها الأساسية.
(3) التطبيقات المصرفية وأنظمة الدفع.
(4) الكهرباء الآمنة عند عودتها، بحيث لا تعود بجهد مدمّر للأجهزة والمعدات.
(5) المياه ومصادر الإمداد الأساسية.
(6) الصرف الصحي وما يرتبط به من مخاطر صحية وبيئية.
(7) المستشفيات والمرافق الصحية الحرجة.
(8) مخازن الدواء والغذاء.

وتكون وظيفة هذه الآلية تلقي البلاغات، وتصنيفها حسب درجة الخطورة، وقياس زمن الاستجابة، وربط المواطن بالجهة المسؤولة، ومحاسبة الجهات المتأخرة أو المقصرة، حتى لا تتحول الأعطال اليومية الصغيرة إلى كوارث تمس حياة الناس ومعاشهم وثقتهم في الدولة.
ثم تُترجم هذه الرؤية إلى مسار انتقالي محدد، يقوم على الآتي:
(1) أن تكون الفترة الانتقالية محددة الزمن والمهام.
(2) أن تُسند إدارتها إلى كفاءات وطنية قادرة على التنفيذ.
(3) أن تُمنع المحاصصات الحزبية والترضيات الفوقية.
(4) أن تُعلن البرامج التنفيذية للمرحلة الانتقالية بوضوح.
(5) أن تُرتب الأولويات بحسب درجة الإلحاح والأثر.
(6) أن تُحدد الجهات المسؤولة عن كل برنامج.
(7) أن توضع آجال زمنية ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
(8) أن تُنشأ آلية متابعة ومحاسبة تمنع التعثر والإهمال.
(9) أن يُنجز القدر الضروري من إصلاح البيئة السياسية والإدارية والاقتصادية والأمنية.
(10) أن تفضي المرحلة في نهايتها إلى انتخابات حرة نزيهة في بيئة أصلح.

والأصل في هذه المرحلة الانتقالية ألا تكون سلطة مفتوحة بلا نهاية، ولا محطة جديدة لتوزيع المواقع، ولا حاضنة لمحاصصة حزبية أو جهوية أو عسكرية، وإنما مرحلة إصلاح عام، تُحفظ فيها السيادة والأمن عبر مؤسسات الدولة النظامية، وتُدار فيها ملفات الاقتصاد والخدمات والعدالة والرقمنة والمؤسسات بواسطة كفاءات وطنية متخصصة، تُختار وفق معايير معلنة للكفاءة والنزاهة والقدرة على التنفيذ، وتُحاسب وفق مؤشرات أداء واضحة.

فإذا أُنجز القدر الضروري من إصلاح البيئة السياسية والإدارية والاقتصادية والأمنية، أمكن أن تفضي هذه المرحلة إلى انتخابات حرة نزيهة، لا تُجرى فوق خراب الدولة، ولا تحت ضغط السلاح والفوضى والمال المنفلت، بل في بيئة أصلح وأقدر على التعبير الحقيقي عن إرادة السودانيين.

والخلاصة أن السودان لا تنقصه الكلمات، بل تنقصه الإرادة المنظمة. ولا تنقصه المبادرات، بل تنقصه المبادرة التي تعرف أين تضع يدها. ولا تنقصه العقول، بل ينقصه أن تُجمع العقول حول مشروع دولة لا حول مشروع سلطة. فإن كان حوار الداخل حوارًا للدولة لا للأشخاص، وللإصلاح لا للمجاملة، وللشعب لا للنخب وحدها، ورؤيةً عمليةً تُترجم إلى مسار انتقالي محدود الزمن، تقوده الكفاءات، وتُقاس نتائجه، ويمهّد لانتخابات حرة نزيهة في بيئة أصلح؛ فقد يكون بداية جديدة تبشّر بالتعافي والنهضة والانطلاق.

وإذا التأم النسيج الوطني كله على مثل هذه الرؤية، وتوافق أهل السودان على آلية تنزيلها وتنفيذها، فذلك هو المرجو والأكمل والأوفق بمصلحة الوطن. أما إذا تعذر هذا الإجماع، أو طال انتظار التوافق الكامل، أو غلبت الحسابات الضيقة على ضرورات الإنقاذ، فإن واجب المرحلة لا يسمح بتضييع مزيد من الوقت. وعندئذ يكون على مجلس السيادة، بوصفه صاحب سلطة الأمر الواقع القائمة، أن يمضي قدمًا في إنفاذ هذا التصور عمليًا، مستعينًا بمن صدق من أهل الوطن، وبالكفاءات الوطنية القادرة على العمل والتنفيذ، حتى لا تضيع دقيقة ثمينة أخرى تضاف إلى ما ضاع من أعمار الناس وموارد البلاد وفرص النجاة. فالأوطان في لحظات الخطر لا تنتظر اكتمال المثال، وإنما تبدأ بما تملك من قدرة، وتفتح الباب لكل صادق يلتحق بمسار الإصلاح والبناء.
أما إن عاد بنا الحوار إلى الدائرة القديمة، فلن يكون إلا اسمًا آخر لأزمة قديمة، دفع السودانيون ثمنها أكثر مما يحتمل وطن أو شعب، وسنبقى ندور في الوهدة ذاتها، وننزلق من أزمة إلى أخرى نحو القاع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى