حظر الاستيراد… حين يتحول ضبط السوق إلى خنقٍ للبلاد والعباد
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

ليست الحكمة الاقتصادية أن تُغلق الأبواب كلما ضاق النقد الأجنبي، ولا أن يُظن أن منع السلع من الدخول هو الضمان الكافي لحماية العملة الوطنية أو تخفيف الضغط على سعر الصرف؛ فالدول لا تنهض بالحظر، ولا تُعالج أزماتها العميقة بإيقاف حركة التجارة على وجهٍ واسعٍ لا يفرّق بين الضروري والكمالي، ولا بين السلعة الاستهلاكية ومدخل الإنتاج، ولا بين ما يضر الاقتصاد فعلًا وما لا يكاد يكون له أثرٌ يذكر في أصل الأزمة. وقد يكون مفهومًا أن تلجأ دولة تعاني من شح العملات الأجنبية وتدهور سعر الصرف إلى مراجعة وارداتها وإعادة ترتيب أولوياتها، غير أن الفارق كبير بين المراجعة الرشيدة والحظر الواسع، وبين ضبط الاستيراد وخنق السوق، وبين السياسة الاقتصادية العاقلة والقرار الانفعالي الذي يبدو في ظاهره حازمًا، ثم تنكشف آثاره في الواقع غلاءً وندرةً وتهريبًا واحتكارًا وتعطيلًا للإنتاج.
إن قائمة السلع التي قيل إن حكومة السودان حظرت استيرادها لا تقف عند حدود الكماليات أو السلع الترفيهية، بل تمتد إلى سلع غذائية ومعيشية، ومواد بناء، ومنظفات، وأعلاف، وزيوت، وأرز، ومواد خام للشركات، وبعض ما يتصل بالصناعة والإعمار. وهنا مكمن الخطر؛ لأن القرار حين يخلط بين الحلوى والأرز، وبين العطور والمواد الخام، وبين الكماليات والأعلاف، وبين السلع الزخرفية ومواد البناء، فإنه لا يعود قرارًا لضبط الاستيراد، بل يصبح قرارًا يمس بنية المعيشة والإنتاج معًا. إن علاج أزمة العملة لا يكون بمنع السلع الا ما كان ضارا ؛ لأن الطلب على الدولار ليس ناتجًا عن الاستيراد فقط، وإنما يرتبط بالإنتاج والصادرات والثقة والاستقرار وعودة النشاط الاقتصادي وحركة الذهب والتحويلات والسياسات المالية والنقدية.
فإذا كان أصل المرض هو ضعف الإنتاج، وتعطل الصناعة، واضطراب الزراعة، وتهريب الموارد، وتراجع الصادرات، وضعف الثقة في البيئة الاقتصادية، فإن حظر الاستيراد لا يعالج الجذر، بل يعالج العرض الظاهر معالجةً سطحية، وربما زاد المرض تعقيدًا. فالسلع المحظورة إن كانت ضرورية أو واسعة الطلب فلن تختفي حاجة الناس إليها بمجرد صدور القرار، بل ستُطلب من طرقٍ أخرى: عبر التهريب، أو السوق الموازي، أو الاستيراد غير المباشر، أو عبر شبكات الاحتكار ورفع أسعار الموجود في المخازن. وحينها لا تكون الدولة قد أوقفت الطلب، وإنما تكون قد نقلته من السوق المنظم إلى السوق المظلم؛ ومن التجارة المعلومة التي تدخل عبر الجمارك والموانئ والسجلات، إلى تجارة خفية لا تدفع حق الدولة، ولا تخضع للرقابة، ولا تضمن الجودة، ولا تحمي المستهلك.
والأشد خطرًا من ذلك أن تشمل قرارات الحظر مواد خام للشركات ومدخلات إنتاج. فالصناعة المحلية لا تقوم بالشعارات، ولا تولد من فراغ، ولا تستطيع أن تنتج إذا مُنعت عنها المواد الأولية ومواد التغليف والقطع والمكونات والآلات والمستلزمات. فإذا قيل للمصنع: أنتج محليًا، ثم مُنع من استيراد ما لا يستطيع الإنتاج بدونه، فهذه ليست حماية للصناعة الوطنية، بل إعاقة لها. وحين تتوقف المصانع أو تقل طاقتها الإنتاجية، يقل المعروض المحلي، وترتفع الأسعار، وتزيد البطالة، وتضيق فرص العمل، ويصبح المواطن هو من يدفع ثمن القرار في النهاية.
وكذلك الحال في مواد البناء كالإسمنت والزنك والدهانات والسيراميك والأدوات الكهربائية وما يتصل بالإعمار. فالسودان ليس في وضعٍ عادي، بل في ظرف يحتاج فيه الناس إلى ترميم البيوت، وعودة الأسواق، وفتح الورش، وإصلاح المرافق، واستعادة النشاط الاقتصادي. ومواد البناء في مثل هذا الظرف ليست ترفًا، بل جزء من عودة الحياة. فإذا قُيّدت أو مُنعت بغير بديل محلي كافٍ ومستقر وبأسعار معقولة، فإن النتيجة لن تكون حماية الاقتصاد، بل رفع كلفة الإعمار وتعطيل عودة الناس إلى مساكنهم وأعمالهم. أما الغذاء وتوابعه، فالأمر فيه أخطر. فالأرز والزيوت والفول والمواد الغذائية والمنظفات والصابون ليست جميعها سلعًا كمالية يمكن الاستغناء عنها بلا أثر.
قد يقول قائل إن بعضها يمكن إنتاجه محليًا، وهذا صحيح من حيث الإمكان النظري، لكن السياسة الاقتصادية لا تُبنى على الإمكان النظري وحده، بل على الواقع الفعلي: هل الإنتاج المحلي كافٍ؟ هل يصل إلى جميع الولايات؟ هل أسعاره في متناول الناس؟ هل توجد شبكات نقل وتخزين مستقرة؟ هل يستطيع المواطن أن يحصل على البديل؟ فإن لم تكن الإجابة واضحة، فإن الحظر يصبح مخاطرةً بمعيشة الناس لا مجرد سياسة مالية.
وحتى ما يسمى بالسلع الكمالية لا يكون حظرها الكامل حكيمًا في الغالب. فهذه السلع، بطبيعتها، تكون كمياتها محدودة، وتأثيرها في سعر الصرف لا يكون عادة بالحجم الذي يبرر قرارًا واسعًا بالحظر. كما أن راغبيها من المقتدرين الذين لا يعجزهم الحصول عليها بطرق أخرى، إما عبر الاستيراد المباشر بواسطة أفراد أو جهات، أو عبر التهريب الذي ينشط كلما مُنعت سلعة مطلوبة من الدخول الرسمي. وهنا لا تكون الدولة قد أوقفت استنزاف العملات الصعبة، بل تكون قد نقلته من القنوات الرسمية المكشوفة إلى قنوات غير رسمية أكثر كلفة وأقل ضبطًا.
وقد تكون النتيجة أن تُستورد هذه السلع بعد الحظر بأعلى من قيمتها السابقة، فتستهلك قدرًا أكبر من النقد الأجنبي بدل أن توفره، وتحرم الخزينة العامة في الوقت نفسه من الرسوم والجمارك والضرائب التي كانت تتحصل عليها عند دخولها عبر المسارات النظامية. أما التاجر النظامي الذي كان يعمل تحت عين الدولة، ويدفع الرسوم، ويشغل العمال، ويستأجر المتاجر والمخازن، ويتعامل مع النقل والتوزيع والإعلان، فإنه قد يخرج من السوق أو يتضرر، بينما ينتعش المهرب والمحتكر ومن يعملون في الظل.
وفوق ذلك، فإن بعض هذه السلع، وإن عُدّت كمالية في ذاتها، تقوم حولها مناشط اقتصادية داخلية مشروعة: متاجر، وكلاء، موزعون، عمال نقل، عمال بيع، مخازن، خدمات تسويق، وحركة تجارية تدر دخلًا رسميًا للدولة وتفتح أبواب عمل تحد من البطالة. فإذا حُظرت فجأة، لم تختفِ الرغبة فيها، وإنما انتقلت تجارتها إلى الاحتكار والتهريب وبؤر الفساد، بما في ذلك التلاعب عبر بعض المنافذ الرسمية بوسائل باتت معلومة ومتعددة في البيئات التي تضعف فيها الرقابة وتكثر فيها الاستثناءات.
وقد أقول هذا مع أنني شخصيًا لا أتعاطى أي نوع من أنواع الحلويات أو المعلبات أو المشروبات والعصائر، طبيعية كانت أو غير طبيعية، منذ عشرات السنين؛ لا عن علةٍ، فإني بحمد الله تعالى أرجو أن أكون سليمًا معافى، ولكن عن قناعةٍ تامة بضرر كثيرٍ منها صحيًا. كما أنني لا أحب تربية طيور الزينة أو أسماك الزينة ونحو ذلك، ولا أرى في كثير من هذه السلع حاجةً حقيقية للإنسان، كما أنني بالطبع لا أتاجر فيها، ولا أعتزم أن أفعل ذلك بإذن الله. غير أن هذا كله شيء، والقرار الاقتصادي العام شيء آخر؛ فالاقتصاد لا يُدار بما يحبه زيدٌ أو يكرهه عَمرو، ولا بما يستهلكه هذا أو يتركه ذاك، ولا بما يتاجر فيه أحدٌ أو يعزف عنه آخر، بل بما ينفع البلاد، ويقلل الضرر، ويحفظ النظام، ويزيد الإنتاج، ويمنع الفوضى والتهريب والاحتكار. فالباعث الشخصي، والذوق الخاص، والقناعة الصحية أو الأخلاقية الفردية، والمصلحة التجارية الخاصة وجودًا أو عدمًا، لا ينبغي أن تتحول مباشرةً إلى سياسة عامة تمس كليات النهضة، وأركان الاستثمار، وحركة الأسواق، وتشغيل الأيدي العاملة، وإيرادات الدولة، وثقة المستثمرين.
ومن أسوأ آثار الحظر الواسع أنه يرسل رسالة سلبية إلى المستثمرين والتجار الجادين، سواء من لهم نشاط قائم أو من يعتزمون إنشاء نشاط جديد. فالمستثمر لا ينفر فقط من الضرائب أو الرسوم، بل ينفر أكثر من عدم الاستقرار، ومن القرارات المفاجئة التي قد تغلق سوقًا كاملًا في يوم واحد، أو تعطل رأس مال، أو توقف سلسلة تجارية، أو تجعل التاجر النظامي في وضع أضعف من التاجر غير النظامي.
وحين يشعر المستثمر أن البيئة الاقتصادية يمكن أن تنقلب فجأة بقرار غير محسوب، فإنه يتردد في التوسع، أو يؤجل الدخول، أو يخرج بما لديه من مال وخبرة إلى بيئة أكثر وضوحًا. ولهذا فإن حماية الاقتصاد لا تكون بإغلاق الأبواب، وإنما بإحكام إدارتها. فالدولة الرشيدة لا تقول للناس: ممنوع، ثم تترك السوق يبحث عن طريق خلفي، بل تقول: هذه أولوياتنا، وهذه سلع ضرورية تُسهّل، وهذه مدخلات إنتاج تُعفى أو تُخفّض رسومها، وهذه كماليات تُفرض عليها رسوم عالية، وهذه سلع ضارة تُمنع فعلًا، وهذه مواصفات لا يسمح بتجاوزها، وهذه قنوات رسمية واضحة وسريعة ورقمية لا تترك مجالًا للفساد والابتزاز. إن البديل الصحيح ليس فتح الاستيراد بلا ضوابط، ولا حظر الاستيراد بلا تمييز، بل سياسة ذكية تقوم على التصنيف. فالدواء والغذاء الأساسي ومدخلات الزراعة والصناعة ومواد الإعمار ينبغي أن تُسهّل ولا تُعطّل.
والسلع غير الضرورية يمكن أن تُثقل برسوم جمركية وضريبية مدروسة بدل منعها الكامل. والكماليات الصرفة يمكن ضبطها برسوم رفاهية عالية، بحيث تقلل الدولة الطلب عليها دون أن تدفع تجارتها إلى التهريب. أما السلع التي لها بديل محلي كافٍ ومضمون وبسعر عادل، فيمكن تنظيم استيرادها تدريجيًا، لا حظرها فجأة بقرار يربك السوق. ولا بد، فوق ذلك، من معالجة أصل الأزمة لا أعراضها.
فأصل الأزمة في السودان ليس أن الناس يستوردون بسكويتًا أو شوكولاتة فقط، بل أن الاقتصاد نفسه لم يُطلق كما ينبغي، وأن الإنتاج لم يُحمَ حماية حقيقية، وأن الصادرات لم تُنظم وتُشجع، وأن الذهب وسائر الموارد لا تنعكس كلها على قوة العملة، وأن الدولة لم تبن بعد نظامًا رقميًا متكاملًا يغلق منافذ الفساد والتهريب والتلاعب. فإذا ظل هذا الخلل قائمًا، فلن ينقذ الجنيه حظر الأرز ولا منع الزيوت ولا إيقاف مواد البناء ولا التضييق على الشركات.
إن السياسة الاقتصادية الناجحة هي التي تزيد الإنتاج لا التي تقلل المعروض، وتوسع فرص العمل لا التي تغلق المناشط، وتدخل التجارة في النظام لا التي تدفعها إلى الظل، وتحفظ إيرادات الدولة لا التي تسلمها للمهربين، وتحمي المواطنين لا التي ترفع عليهم الأسعار باسم حماية العملة. ومن هنا فإن القرار، بصورته الواسعة، لا يبدو صائبًا ولا حكيمًا. قد تكون فيه نية مفهومة لتقليل الضغط على النقد الأجنبي، ولكن النوايا وحدها لا تكفي في الاقتصاد. فالاقتصاد لا يحكمه الحماس، بل تحكمه النتائج.
والنتائج المتوقعة لمثل هذا الحظر هي ارتفاع الأسعار، ونقص السلع، وزيادة التهريب، وتعطيل بعض المصانع، وإضعاف الثقة، وحرمان الخزينة العامة من الرسوم، وتوسيع السوق الموازي، وإرهاق المواطن. والأوفق أن يُراجع القرار مراجعة عاجلة، لا بمعنى إلغاء كل ضبط، بل بإعادة بنائه من الأساس ضمن رؤية أوسع تقوم على تحرير حقيقي للاقتصاد، وتحرير العملة وفق آلية العرض والطلب، وسحب التعامل بالنقد الأجنبي من السوق الموازي، الذي يخضع له الجميع عمليًا، إلى ساحات البنوك والصرافات الرسمية، عبر منصة مركزية شفافة تنسق هذا الانتقال وتديره دون اعتساف أو تدخل قهري.
ويكون ذلك مقرونًا بحرية واضحة لتحويل الأموال عبر القنوات الرسمية، وإتاحة المنافسة الحرة، وكسر الاحتكار، وتحطيم بؤر ومنافذ الفساد، ثم حظر محدود جدًا للسلع الضارة، ورسوم عالية على الكماليات بدل منعها، وتسهيل كامل للغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج والإعمار، وسياسة واضحة للصادرات، وحوكمة ورقمنة صارمتين للجمارك والموانئ والتحويلات، ومحاربة فعلية للتهريب والاحتكار، تبدأ بالسياسات الصائبة قبل المكافحة المباشرة.
ذلكم هو السبيل الأوحد لإيجاد البيئة السليمة التي يتحرك فيها الاقتصاد بحرية ومسؤولية، ويتدفق فيها الاستثمار بثقة، ويتوسع الإنتاج ويتضاعف، وتتلاشى فيها البطالة تدريجيًا بفعل العمل والنشاط الحقيقي، لا بفعل الوعود والشعارات. أما بغير ذلك، فكل حديث عن حماية العملة أو ضبط السوق أو تشجيع الإنتاج سيظل سرابًا، ومحاولةً لبلوغ النهضة من غير طريقها، ودون ذلك خرطُ القتاد. فالدولة التي تريد أن تنهض لا تخنق أسواقها، ولا تعاقب مواطنيها بندرة السلع، ولا تمنع مصانعها من المواد الخام، ولا تعطل إعمار بيوتها، ولا تسلم تجارتها للمهربين. الدولة التي تريد حماية عملتها تبدأ من الإنتاج، والصادرات، والثقة، والنظام، والرقمنة، والشفافية، لا من حظرٍ واسعٍ قد يريح القرار على الورق، لكنه يرهق البلاد والعباد في الواقع.





