مقالات

حين ينهض الإنسان تنهض الأمة

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

كثيرًا ما نتحدث عن نهضة الأمة كأنها حدث كبير يقع فجأة، أو قرار يصدر من أعلى، أو قائد يظهر في لحظة تاريخية فينقل الناس من حال إلى حال. ولا شك أن ظهور قائدٍ راشدٍ بصير، يجمع بين العلم والرؤية والحسم، ويمتلك القدرة على اتخاذ القرار، يمكن أن يكون نقطة تحوّل كبرى في حياة الأمم، فيختصر الطريق، ويجمع الطاقات، ويحوّل الرغبات المتفرقة إلى مشروع عام، ويضاعف أثر الإصلاح أضعافًا كثيرة. فالأمم تحتاج إلى قيادة تحسن قراءة الواقع، وتفتح للناس أبواب العمل المنظم، وتنقل الطاقات الكامنة من حالة التبعثر إلى حالة الفعل والبناء.
لكن الخطأ أن يتحول انتظار القائد إلى عذر للركود، أو أن يصبح غياب المشروع الكبير سببًا لتعطيل الإصلاح الصغير الممكن. فحتى إن كان القائد الصالح قادرًا، بإذن الله، على تحريك الأمة وتحويل مسارها وإطلاق طاقاتها الكامنة، فإن ذلك لا يعني أن يقعد الناس في انتظار لحظة الخلاص، ولا أن يؤجلوا ما يقدرون عليه من إصلاح أنفسهم وبيوتهم وأعمالهم ومجتمعاتهم. فالقيادة الواعية قد تفتح الباب الواسع، ولكن على الأمة، بأفرادها وبيوتها ومؤسساتها، ألا تنتظر حتى يُفتح ذلك الباب، بل تبدأ من الآن في التغيّر والتغيير، كلٌّ من موضعه وبحسب طاقته.
فالأمة، في حقيقتها، ليست كيانًا منفصلًا عن أفرادها. هي مجموع ما يحمله الناس من وعي أو غفلة، ومن أمانة أو تهاون، ومن علم أو جهل، ومن عمل أو كسل. فإذا كان الفرد مضطربًا في وقته، ضعيفًا في عمله، قليل الإتقان في مهنته، كثير الشكوى قليل المبادرة، فكيف ننتظر من مجموع هؤلاء أن يصنعوا واقعًا مختلفًا؟ إن النهضة العامة لا تبدأ من الفراغ، وإنما تبدأ من الإنسان حين يقرر أن يخرج من دائرة التمني إلى دائرة الفعل.
ليست هذه دعوة إلى تحميل الفرد وحده مسؤولية ما تعجز عنه الدولة، ولا إلى إنكار أثر السياسات العامة، ولا إلى تجاهل أهمية الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي. فهذه كلها ضرورية، ولا تقوم نهضة راسخة من غير قيادة ومؤسسات ونظام وعدالة ورؤية. ولكن المقصود أن غياب الإصلاح الكبير لا ينبغي أن يلغي الإصلاح الممكن، وأن انتظار التغيير من أعلى لا يعفي الإنسان من تغيير ما تحت يده: في بيته، وعمله، ومهنته، ووقته، ولسانه، وضميره.
إن الموظف الذي يؤدي أمانته ولا يعطل مصالح الناس يشارك في إصلاح الأمة. والمعلم الذي يدخل فصله مستشعرًا أنه يبني عقولًا لا يملأ ساعات دوام، يشارك في إصلاح الأمة. والطبيب الذي يرحم مريضه، والتاجر الذي يصدق في بيعه، والمزارع الذي يحسن زرعه، والطالب الذي يأخذ علمه بجد، والكاتب الذي يحترم عقل قارئه، كل واحد من هؤلاء يضع لبنة في بناء عام، وإن لم يرفع شعارًا كبيرًا، وإن لم يقف على منصة مشهورة.
ومن هنا نفهم المعنى العميق للإتقان في الإسلام؛ فالإتقان ليس ترفًا مهنيًا، ولا فضيلة شكلية، بل هو خُلقٌ من أخلاق النهوض. وقد جاء في الحديث: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه». والمعنى أن العمل، مهما بدا صغيرًا، يكتسب قيمته من صدقه وإحسانه وإتقانه. فليس المطلوب أن يكون كل إنسان في موقع كبير، بل أن يكون كبيرًا في الموقع الذي هو فيه؛ يؤدي عمله بأمانة، ويحسن صنعته، ويجعل من واجبه اليومي سهمًا في بناء الأمة لا عبئًا عليها.
إن كثيرًا من مظاهر الضعف التي نشكو منها ليست بعيدة عنا كما نتصور. الفوضى تبدأ من موعد لا يُحترم، ومن عمل لا يُتقن، ومن وعد لا يُوفى، ومن كلمة لا تُوزن، ومن حق صغير يُهمل، ومن مسؤولية يتهرب منها صاحبها. وحين تتكرر هذه الأشياء في آلاف البيوت والمكاتب والأسواق والمدارس، تتحول من أخطاء فردية صغيرة إلى مرض عام في جسد الأمة.
ومن هنا يصبح إصلاح الإنسان لنفسه عملًا أكبر من مجرد تهذيب شخصي. إنه مساهمة في تغيير المناخ العام. فحين يصدق الفرد، يخف مقدار الكذب في المجتمع. وحين يتقن عمله، ينقص مقدار الرداءة. وحين يحترم الوقت، ينقص مقدار الفوضى. وحين يكف عن نشر اليأس، يفتح نافذة للأمل. ليست المسألة إذن أن الفرد وحده يصنع النهضة، ولكن لا نهضة حقيقية من غير أفراد صالحين للعمل، قادرين على المشاركة في حملها متى سنحت فرصتها، أو جاء من يقودها ويوجه طاقاتها.
بل إن كل عمل يصلح الأمة يمكن أن يستحيل إلى عمل صالح بالنية الصادقة؛ فالزراعة، والتعليم، والصناعة، والتجارة، والطب، والإدارة، والكتابة، وخدمة الناس، وإصلاح ذات البين، وحفظ النظام، وإتقان الحرفة، كلها ميادين يمكن أن تكون عبادة إذا قصد بها الإنسان وجه الله، ونفع خلقه، وعمارة الأرض بالحق والخير. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فليست العبادة محصورة في الشعائر وحدها، مع عظم شأنها، بل تمتد روحها إلى كل عمل نافع تُصلح به الحياة، وتُحفظ به الأمانة، ويُدفع به الضرر، ويُفتح به باب خير للناس.
ولا ريب أن القائد العظيم قد يغيّر وجه الأمة، ويبعث فيها روحًا جديدة، ويحوّل الضعف إلى قوة، والتفرق إلى انتظام، واليأس إلى عمل، متى امتلك الرؤية الصحيحة والإرادة الحاسمة والقدرة على بناء المؤسسات وتحريك المجتمع. وسواء جاء هذا القائد المنشود عبر انتخاب حر واعٍ، أو عبر فترة انتقالية رشيدة تتولى إصلاح البيئة العامة، وبناء المؤسسات، وتهيئة المجال العام، ورفع وعي الناس، فإن الغاية واحدة: أن تصبح الأمة أقدر على اختيار من يقود نهضتها، وأصلحَ لاستقبال مشروع كبير يخرجها من العجز إلى الفعل. فالانتقال الحقيقي ليس مجرد تبديل أسماء أو وجوه، بل إصلاح للبيئة التي تُنتج القيادة، وتُمكّن الأمة لاحقًا من انتخاب القائد الأمثل على بصيرة ومسؤولية.
لكن هذا المعنى نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة للانتظار السلبي، بل إلى دافع للاستعداد والمبادرة. فالأمة التي يبدأ أفرادها بإصلاح أنفسهم تكون أقدر على الاستجابة للقيادة الراشدة إذا ظهرت، وأسرع في تحويل التوجيه إلى فعل، والرؤية إلى واقع، والقرار إلى نهضة محسوسة.
إن الأمم لا تنهض بالكلام وحده، ولا تنتصر بالأمنيات، وإنما تنهض حين يتحول الوعي إلى عادة، والإيمان بالفكرة إلى عمل، والشعور بالمسؤولية إلى سلوك يومي. وقد تكون البداية بسيطة جدًا: أن يراجع الإنسان طريقة عمله، أن يتعلم شيئًا جديدًا، أن يربي أبناءه على الجدية، أن يحفظ لسانه من الهدم، أن يتقن صنعته، أن يفتح باب تعاون مع غيره، أن يجعل يومه أكثر نفعًا مما كان بالأمس.
ومن الحراك المحمود كذلك أن ينهض بعض العلماء والمستنيرين وأصحاب المبادرة إلى إنشاء كيانات نافعة، أو لجان تفكير، أو مبادرات أهلية، أو منصات معرفية وعملية، تعالج بعض الإشكالات القائمة، أو تضع تصورات جادة للنهضة، أو تفتح مسارات للحوار والتخطيط والتعاون. فليست كل خطوة ممهدة مطالبة بأن تحقق الغاية كاملة، ولكن يكفي أن تكون علامة إضاءة في الطريق، وأن تجمع بعض العقول والهمم حول فكرة نافعة، وأن تهيئ المناخ العام لاستقبال المشروع الأكبر حين تنضج شروطه وتتهيأ قيادته.
ولا ينبغي أن نحتقر هذه البدايات الصغيرة؛ فالمجتمعات لا تتغير دفعة واحدة، بل تتغير حين تتراكم فيها النماذج الصالحة. إن قريةً ينهض فيها عدد من أبنائها للعمل والتعاون تصبح غير ما كانت. ومدرسةً يخلص فيها معلمون جادون تخرج جيلًا مختلفًا. وسوقًا يكثر فيه الصدق ينقص فيه الغش. ومؤسسةً يحترم أهلها النظام تصبح بذرة لدولة أفضل. هكذا تتحول الأخلاق الفردية إلى قوة اجتماعية، ويتحول الوعي الشخصي إلى أثر عام.
وفي هذا المعنى يأتي الحديث النبوي العظيم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». فما أعظم هذا التوجيه؛ إنه يربّي الإنسان على العمل ولو ضاق الزمن، وعلى البذل ولو لم يرَ الثمرة، وعلى أن قيمة الفعل الصالح لا تُقاس دائمًا بما يحصده صاحبه في حياته، بل بما يدل عليه من صدق، وأمل، وقيام بالواجب. فإذا كان غرس الفسيلة مطلوبًا حتى في لحظة قيام الساعة، فكيف بما دون ذلك من أعمال الإصلاح والبناء والتربية والإنتاج، ونحن لا نزال نملك الوقت والقدرة والفرصة؟
وليس من الضروري أن يرى الإنسان كل ثمرةٍ لما زرع، أو أن يحصد بعينيه حصيلة كل عمل صالح بذله؛ فحسبه أنه أدى ما عليه، وأن الله تعالى يعلم صدقه وسعيه. وفي القرآن الكريم مشهد عظيم من قصة أصحاب السبت، حين انقسم الناس أمام المنكر: فئة اعتدت، وفئة أنكرت ووعظت، وفئة رأت أن الوعظ لا جدوى منه. فقالت هذه الفئة للفئة الناصحة: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. وهنا تظهر قيمة العمل الصالح ولو بدا أثره بعيدًا؛ فالفئة الناصحة لم تجعل ضعف الاستجابة عذرًا للصمت، بل قالت كلمتها أداءً للواجب، وإبراءً للذمة، وفتحًا لباب التقوى لمن شاء الله له أن ينتفع.
إن البطولة ليست دائمًا في المواقف الكبرى التي يراها الناس، بل قد تكون في أن يغالب الإنسان ضعفه، ويكسر عادة سيئة، ويصبر على عمل نافع، ويبدأ من موقعه الصغير دون انتظار التصفيق. فكم من تغيير كبير بدأ بإنسان واحد صدق مع نفسه، ثم امتد أثره إلى أسرته، ثم إلى عمله، ثم إلى محيطه، حتى صار جزءًا من تيار أوسع.
وقد قيل في الحكمة: من جدّ وجد، ومن زرع حصد، غير أن الحصاد قد لا يراه الزارع كاملًا، وقد ينتفع به غيره بعد حين. ومن أجل ذلك لا ينبغي أن يكون العمل مرهونًا بالتصفيق العاجل، ولا بالنتيجة القريبة، ولا باعتراف الناس. فالعاقل يعمل لأنه يرى العمل حقًا، ويتقنه لأنه يرى الإتقان أمانة، ويصبر عليه لأنه يعلم أن الأمم لا تُبنى بالاندفاع العابر، بل بالنَّفَس الطويل، والواجب المتصل، والنية الصادقة.
لسنا بحاجة إلى مزيد من جلد الذات، ولا إلى الاكتفاء بتعداد العيوب، ولا إلى تحويل الواقع إلى حائط مبكى دائم. نحن بحاجة إلى صدق في التشخيص، ثم شجاعة في البدء. والبدء لا يعني أن نملك كل الأدوات، بل أن نستعمل ما نملك، وأن نتحرك من الموضع الذي نقف فيه، وأن نؤمن أن إصلاح الجزء الصغير ليس هروبًا من إصلاح الكل، بل هو الطريق العملي إليه.
حين ينهض الإنسان في داخله، ينهض معه جزء من أمته. وحين تتكرر هذه النهضة في نفوس كثيرة، لا تبقى الأمة كما كانت. عندها لا يكون الإصلاح شعارًا معلقًا في الهواء، بل يصبح حياة تتحرك في الناس، وخلقًا يظهر في السلوك، وعملًا يترك أثره في الواقع.
فمن أراد أن يرى وطنه كبيرًا، فليبدأ بأن يكون كبيرًا في همته، صادقًا في عمله، مستقيمًا في سلوكه، نافعًا في محيطه. فالأمة لا تولد من جديد في الكلمات وحدها، وإنما تولد حين يستيقظ الإنسان، ويأخذ مكانه في البناء، ويدرك أن نهضته الشخصية ليست شأنًا خاصًا به وحده، بل هي أول موضع تبدأ منه نهضة الأمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى