
ليست العاطفة في حياة الشعوب عيبًا في ذاتها، ولا ضعفًا ينبغي التخلص منه، بل قد تكون من أعظم مصادر القوة حين تهتدي بالبصيرة، وتنتظم في مشروع واضح، وتتحول من مجرد انفعال عابر إلى طاقة عاملة في البناء والإصلاح. والشعب السوداني، في كثير من مواقفه، يملك رصيدًا عظيمًا من حرارة الوجدان، وسرعة الاستجابة، وحب النجدة، والاستعداد للبذل، والوقوف مع المحتاج، ومواساة المنكوب، وإغاثة القريب والغريب دون انتظار كثير ترتيب أو توجيه.
هذه خصال لا يجوز التقليل من شأنها؛ فقد حفظت المجتمع السوداني في أوقات كثيرة حين غابت المؤسسات، وسدت شيئًا من الفراغ حين ضعفت الدولة، وجعلت الناس يتقاسمون القليل، ويتحملون الشدة، ويقفون مع بعضهم في الأفراح والأتراح، وفي المرض والفقر والنزوح والحرب. ومن الظلم أن تُعرض هذه الروح النبيلة كأنها مشكلة محضة، فهي في أصلها معدن كريم، ولكن المشكلة تبدأ حين تتحرك هذه العاطفة الكبيرة بلا عقل منظم، وبلا رؤية جامعة، وبلا مؤسسات قادرة على تحويل الخير المتفرق إلى أثر دائم.
لقد مر السودان بمحطات كثيرة أظهرت قوة الحماس الشعبي، لكنها أظهرت كذلك أن الحماس وحده لا يكفي لبناء دولة، ولا لإصلاح اقتصاد، ولا لإقامة عدالة، ولا لحماية مجتمع من الفوضى. ففي لحظات التغيير الكبرى، قد تندفع الجماهير بدافع الأمل المشروع، ولكنها إن لم تجد قيادة رشيدة، وبرامج واقعية، ومؤسسات منضبطة، سرعان ما تتبدد الطاقة في الشعارات، وتغلب الأمنيات على الحقائق، ويُخلط بين ما نريد وما نستطيع، وبين الحلم الجميل والطريق العملي الموصل إليه.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى مراجعة عميقة في طريقة تفكيرنا العام، لا بقصد جلد الذات، ولا إنكار فضائل المجتمع، ولكن بقصد تحويل ما في الشخصية السودانية من حرارة إنسانية إلى قوة واعية منتجة. فالكرم مثلًا قيمة عظيمة، لكنه إن انفصل عن التدبير صار استنزافًا. والفزعة الاجتماعية خلق نبيل، لكنها إن بقيت رد فعل مؤقتًا دون حلول جذرية ظلت تعالج النتائج وتترك الأسباب. والطيبة من أجمل الخصال، لكنها إن اختلطت بالسذاجة فتحت الباب للاستغلال. والتسامح محمود، لكنه إن تحول إلى هروب من الحسم ضاعت الحقوق، وتمادى المفسدون، وتعطلت القرارات الصعبة.
وكذلك فإن الولاء للأهل والقبيلة والمنطقة ليس مذمومًا إذا بقي في حدود صلة الرحم والتعاون المشروع، لكنه يصبح خطرًا حين يتقدم على مصلحة الوطن، أو حين يجعل الإنسان يدافع عن الخطأ لأنه صدر من جماعته، ويخاصم الصواب لأنه جاء من غيرهم. فالدولة لا تُبنى بالعصبيات، ولا تُدار بالمجاملات، ولا تنهض بالانحيازات الضيقة، وإنما تُبنى بميزان العدل، وكفاءة المؤسسات، وتقديم المصلحة العامة على كل اعتبار.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى إطفاء عاطفة أهله، بل إلى تهذيبها وتوجيهها. لا يحتاج إلى شعب بارد لا يتأثر، بل إلى شعب يعرف متى يتحمس، ولماذا يتحمس، ولأي هدف يضحي، وكيف يحول تضحيته إلى نتيجة ثابتة. فالعاطفة حين يقودها الوعي تصنع نهضة، وحين تقودها اللحظة تصنع اضطرابًا جديدًا بعد كل تضحية.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية في السودان ليست معركة السلاح وحده، ولا معركة السياسة وحدها، بل هي قبل ذلك وبعده معركة وعي. معركة أن نتعلم كيف نفكر قبل أن نندفع، وكيف نخطط قبل أن نصرخ، وكيف نبني قبل أن نلوم، وكيف نفرق بين الخطاب الذي يثير المشاعر والخطة التي تغير الواقع. فليست الوطنية في ارتفاع الصوت، ولا في كثرة الشعارات، ولا في سرعة الاصطفاف خلف كل نداء عاطفي، وإنما الوطنية في أن نضع السودان فوق الأشخاص، وفوق الجماعات، وفوق الولاءات الصغيرة، وفوق المصالح العاجلة.
ومن واجب المفكرين والمصلحين وأهل الرأي أن ينتقلوا بالخطاب العام من مجرد التحريض العاطفي إلى بناء البرامج العملية. فالبلد لا ينهض بالدعوات العامة وحدها، بل يحتاج إلى تصورات واضحة في التعليم، والصحة، والقضاء، والخدمة المدنية، والشرطة، والنيابة، والحكم المحلي، والإنتاج، والزراعة، والصناعة، والاستثمار، والإعلام، والعمل الطوعي. ويحتاج كذلك إلى أن تُصاغ الأولويات بوضوح: إنهاء الحرب والتمرد والمعاناة، وبسط سلطة الدولة العادلة، وتحقيق العدالة، وإعادة بناء المؤسسات، وفتح الطريق أمام إنتاج حقيقي يخرج الناس من دائرة الفقر والانتظار.
إن تحويل العاطفة السودانية إلى وعي عامل يقتضي أن نسأل أنفسنا بعد كل موقف كبير: ماذا بعد الحماس؟ ما الخطة؟ من ينفذ؟ ما الأدوات؟ ما الزمن؟ ما الموارد؟ كيف نمنع تكرار الخطأ؟ كيف نضمن ألا تضيع التضحيات في الارتجال؟ وكيف نجعل الغضب من الظلم طريقًا إلى إصلاح العدل، لا مجرد صرخة تنطفئ بعد حين؟
وإذا أردنا سودانًا جديدًا بحق، فعلينا أن ننتقل من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة البناء، ومن انتظار المنقذ إلى صناعة المؤسسات، ومن الفزعة المؤقتة إلى التنظيم الدائم، ومن التعاطف العابر إلى العمل المنتج، ومن الولاء الضيق إلى الانتماء الوطني الواسع. عندها فقط تصبح العاطفة السودانية رصيدًا للنهضة، لا مادة يستغلها الآخرون، وتصبح التضحية جسرًا إلى المستقبل، لا دائرة ألم تتكرر في كل جيل.
إن السودان لا ينقصه الإنسان القادر على البذل، ولا المجتمع الذي يعرف معنى التكافل، ولا الروح التي تتحرك عند الشدة. الذي ينقصه هو العقل الجماعي المنظم الذي يحول هذه الخصال إلى دولة عادلة، واقتصاد منتج، ومؤسسات محترمة، وتعليم نافع، وخدمات مستقرة، ومشروع وطني جامع. فإذا اجتمع القلب الحي بالعقل الراشد، وإذا التقت حرارة الوجدان بصرامة التخطيط، أمكن لهذا الشعب أن يخرج من محنته لا بمجرد النجاة، بل ببداية نهضة تليق بما قدم من صبر وتضحيات.





